logo

خاطرة

كفاح علي ديب

في أيلول

هذا الصباح، أيقظتني رعشةُ برد خفيفة، حملتها النسمات التي انسلّت عبر باب الشّرفة، كنت قد نسيت إغلاقه قبل النوم. كانت تلك النسمات تكفي لتحريك ما تكدّس في الذاكرة من صور وذكريات.

لست أكيدة من ولادتي في مثل هذا اليوم. فما هو موثّق في هويّتي، مختلف عمّا قيل لي!

ولكنّ ذاكرتي أصدق من كلّ الوثائق، وما قيل لي. الحقيقة، هي أنّني وُلدتُ في أواخر أيلول.
 أمّا ساعة الولادة، التي لم يخبرني بها أحد، فأتذكّر أنّها كانت في فجر يوم غائم جزئيّاً، يمثّل الخريف بكل اعتداله "هواء خفيف، رائحة المطر". كنت متشوّقة لاكتشاف حقيقة الحياة! فبعد تسعة أشهر من السباحة في سائل مالح ولزج، كنت أتوق لاستنشاق روائح عشّشت في ذاكرتي دون أن أستطيع فرزها بدقّة، وأنا أتخبّط في بحري الأوّل. أتشوّق لمعرفة مصادر أصوات حفظتها عن ظهر قلب. وأكثر ما شاقني للخروج، اكتشافُ سِرِّ ذلك الطيف الملوّن الذي طالما داعب جفنيّ المغمضتين.
 ذلك اليوم كانت أمي تتلوّى ألماً كلّما ركلتُها أو ضربتُ رأسي في جدار رحمها، أنبّهها إلى أنّ قدومي إلى الحياة لن يكون سهلاً، وأنّها ستضطرّ لتربيّة ابنة شديدة العِنْدِ! أما ولادتي، فكانت مثل الولادات الأخرى، خليطاً من العذاب، والخوف! أوّل خروجي، تلقّفتني يدٌ غريبة، انزلقتُ عليها بفِعْلِ بقايا غشاء مخاطيّ وبعض الدّم.

 كنت سعيدة بثورتي الأولى على سجني الأوّل. وسنة بعد أخرى، كنت سعيدة باكتشاف أزرق الألوان، عصفور دوُريّ مشاغب، النّرجس، رائحة الطيون والحبق، غيوم رماديّة ثم زرقاء، حصى ورمل، غاندي وغيفارا، وكلّ الرّحلات التي خضتها على صفحات كلّ كتاب قرأته. كلّ هذا وأكثر سجّل دخولي إلى هذا العالم، ولا زلت حتّى اليوم كأنّني ولدت منذ قليل، يُدهشني كلُّ شيء، وأفتح عيني على اتساعهما لأيّ تفصيل، لا زلت أشاغب ولا زلت أعِدُ الحياةَ بمزيد من التعب! 

في قريّة ساحليّة في مدينة اللاذقيّة السّوريّة، وُلدت. وهناك، كان انطباع أوّل صور الحياة على شبكيّة عينيّ، وفي القلب.

 على ذلك الساحل، وفي تلك القرية ترعرعتُ. كبرتُ وأنا أراقب الخريفَ يمتدّ كلّ عام على سفوح قريتنا، أصفراً ذهبيّاً، ثم أصفراً بنيّاً في حقول القمح المحصودة توّاً، وأحمراً قرميديّاً على شجيرات السمّاق. وفي وقت المغيب، ينزلق طيف ألوان الأفق على عرائش الدّوالي، حيث ما تزال بعض العناقيد، التي لم تنضج في أوانها، تأبى مغادرة مسقط رأسها، ولعلّها لن تسعى للنضوج قبل أن يهجم برد الشّتاء، فتيبس وتغفو على أحد أذرع الدّالية.

في أيلول، كنت أساعد نساء العائلة في تحضير مؤونة الشتاء، من الزيتون الأخضر والأسود، و(المكدوس)، وغيرها.. ذلك الطقس المشبّعُ بالحبّ!

فالمؤونة جزء من هويّتنا. والطعام ما هو إلّا إحدى طرق التعبير عن الحبّ عن ذوقنا، وأمزجتنا، ونمط من أنماط التعامل مع الطبيعة حولنا.

في أيلول عام (٢٠١٣) اتخذت قرار الهرب من دمشق، وفي طريق الخروج، عبر الجبال بين سوريّة ولبنان، كانت نظراتي والرّوح تعْلقان على كلّ لون من ألوان خريفنا السّوري.

بعد عام من رحيلي عن دمشق، وفي أيلول أيضاً، حطّت الطائرة بي في إحدى مطارات برلين. يومها كانت درجات البرد والحنين، تقارب درجات البرودة والاشتياق، التي أيقظتني، هذا الصباح.

كفاية علي ديب // سورية

مجلة الملتقى

الإصدار التاسع

الإعجابات: 3

التعليقات: 3

المشاهدات: 78

زياد القنطار

نص جميل وحرف عذب، استطاعت الفانتازيا أن تحمل هم المفردة وتفردها مساحة ٠مال وافية..

زياد القنطار

وتفردها كامل مساحة النص

زياد القنطار

كل التقدير