logo

قصة قصيرة

فتحيّة دبش

وعدتُ أمي أن أزُورها في السنة مرةً، لم أفعل هذه السّنة، زرت أبي، لم أُحضر معي ماءً و قمحاً كما جرت العادة عندنا حين نزور موتانا، لم يكنْ معي إلاّ معطفٌ يردّ الجليد الذي يسكنني وجرابٌ مليئةٌ بالشفقة عليه من حكايتي.

كان قبرُه كما تركته آخر مرة، ككلّ القبور المجاورةِ نبتت على حاشيتِه الأعشابُ الطفيليةُ والفضلاتُ البلاستيكيةُ التي حملتها الرياحُ وأهملتها يدُ عامل التّنظيف، استقبلني بضحكةٍ مواربةٍ بين البهجةِ والعتابِ. لا يفهم أبي سرّ مجيئي إليه بدلًا عن أمي، ارتبك قليلًا، سلّمنا، وسألني سرّ هذا المجيء المبكّر قبلَ أن يعاتبني على عدم الوفاء لأمّي ..

أخبرتُه أنّني بين البقاءِ والرّحيلِ وأنّني أريد أن أقصّ عليه حكايةً ستربكُه كما فعل به مجيئي... جلستُ عند رأسِه، انفتح لي في قبره بعض كوّة، مددتُ منها يدي ،أخذتُ بطرف شالِه الأبيض ألفّه بين أصابعي توتراً. ..

قلت له أنّني أحمل جثّتي لتُجاوره إلى غير أجل، يتمايل ترابُه تحتي، صوت ما يدوي كأن الأرضَ تنشقّ. من نفسِ الكوّةِ يأتيني ذراعُه، يحتويني، يده التي طالما ربتّت على كتفِي تمتدّ نحوي، جعلتُ لي بقُربه موضعًا وألقيتُ رأسي على راحتِه...

قال: كانت عمّتك حلوةً جدّاً، يسمّيها الرّجال الجازية، طالما تقاتلوا للظّفر بها، عندما قرّروا حسم الخلاف وجعلها تختار فارسَها على غير العادة اختفت... في ليلة حالكةٍ جاءت بإبريق الماءِ واستأذنَت لزيارة صديقة لها، دعا لها أبي بالسّلامة. . ذهبت ولم تعد... بعد سنواتٍ من البحثِ، ظهرَ لنا ابنة أخت تطالبنا بدم أمّها التي ماتت صباح ليلةٍ شتويّةٍ بعد أن أشعلها زوجُها حطبًا للتّدفئة، فتمزّقت ندبةُ الختان. ماتت وفي قلبِها حكايات لم تقصّها على مسامع أحد ...."

قلت له بصوتٍ مرتجف:

- لكنني عدتُ يا أبي! عدتُ! عدتُ محمّلةً بشيء من الوجَعِ والخيبةِ وقلبٍ فيه من الهمّ الكثيرِ. لكنّني يا أبي كعمّتي، أحملُ حكاياي وهي ليست كتلك التي قرأتُها في الكتب... الرّجل الذي زفّني إليه قدري سرعان ما نفض منّي يديه ، ملأ كؤوسي دمعاً وانتهى! لم أكن أصلح حرثًا له، قبلَ أن يداهمه البكاء عليّ، اتّهمني بالموت. .. أنا جثّة يا أبي! أنا الذبيحة مرّتين.. لماذا يا أبي! "

يدُه الباردة ملأتني دفئًا و صوتُه كعادته يهمسُ:

- هو العرفُ يا بُنيّة وكيف للعُرف أن يُمْحَى! "

قلت- :"رأيتهنّ يا أبي.. في ليلتي تلك .. يزغردن على وقعَ صُراخي ويتطّهرْن بدمي ودمْعي وأنت بعيد، سمعتُهُنّ من بين كوابيسي كلّها يتبادلن التّهاني وبعدها لم أستيقظ!"

تمتدّ يد ويد ويبتلعني ظلام سميك... في عتمةِ القبرِ كنّا ثلاثتنا، أبي، أنا وزوجي! وارانا التّراب رجال بعمائم وكتب، بينما نساء -بعضُهنّ- ينكشن الشعرَ وينتحبْن.. وبعضُهن- يُزغردن وينعتني بحوريّة الجنّة، متّ عروسًا يدي مخضبّةً بالحنّاء.

..................

فتحيّة دبش ... تونس

مجلة الملتقى

الإصدار التاسع

الإعجابات: 1

التعليقات: 1

المشاهدات: 184

زيدان عبد الملك

أستاذة فتحية دبّش، الأديبة الراقية، وصاحبة الكلمة المفعمة بالألم والجمال تجدلهما طاقة زهر من جوري وياسمين وتقدمها وجبة أدب جميل فكراً ولغة وترميزاً. غزير تقديري لقلمك ، ووافر الأمنيات