logo

فضاء فنّي

عصام الشّاطر

من أين تأتون بكل هذا الفرح في ألوانكم؟

ألم تتأثّروا بما يحدث في بلادكم؟

عبارة قالها لي مدير صالة عرض في بيروت

نعم يحق لك أن تسأل وتستغرب ونحن الذين عشنا كل أنواع القهر، والوجع في حرب ظالمة التهمت كل شيء حتّى الحلم ......

يحق لك أن تستغرب من أين يأتي الفرح في اللون الذي يحمل خلفه أرواحاً غارقة في الألم

من حقك أن تسأل هل هو انسلاخ عن الواقع، أم لا مبالاة؟ 

نعم سأجيبك:

في بلادي تعلّمنا أن نُعيد صياغة الأشياء والأحداث

نعم نحن نعيد صياغة كلّ شيء من جديد ..

الألم ..الفرح ..الدّم ..الأحلام

نعيد صياغة كلّ شيء.

لون الدّم يزهر عندنا بلون ورد آذار ونيسان

الأحمر في وطني ليس فقط لون الأنين والنّزيف، إنّه لون التوهّج ولون القوّة وجمر الأحلام ..

في بلادي كلّ يوم يزهر الفنّ من جديد، ومن نفوس ترفضُ أن تسقط ..

أتعلم يا صديقي: إنّ ألوان الرّماد والدّم والدّمار رغم سطوة الصقيع الذي نعيشه، ستزهر من جديد. وإنّ قلوبنا تعيد صياغة الألام والمآسي، وتنتجها شغفاً وفرحاً

حتى لو كان  الفرح وهمًا  يخفي تحته آلاف المواجع وحكايات التشرّد والاغتراب.

نعم هكذا نحن نرسم الفرح والحزن في قلوبنا ..نقود سفينة الفنّ بمهارة وقوة وسط أمواج الحقد المتلاطمه...

نعم إن ثقافتنا ثقافه متحفيّة، غارقة في الزّمن فنحن أحفاد الحضارات المتعاقبة على هذه الأرض .

نحن خلاصة الثقافات والفنون والأساطير وقصص الأنبياء وحكايات الزمن.

لذلك يمتاز الفنّ السوري عن غيره من الفنون العربيّة بثراء تجاربه وتعدد منابعه وذاك النسيج الفسيفسائي الجميل في تنوع فنانيه

في المعارض في دمشق والمدن السوريّة .. ترى ذاك الحوار الجميل بين الاتجاهات الفنية والمستويات العالية ذات الخصوصية المميزة.

مثلهم مثل غيرهم هاجر الكثير من الفنّانين السّوريين خلال الأزمة ..بعضهم هاجر لظروف الحرب والمعيشه لكنهم جميعاً هاجروا بحثًا عن حلم سيضيع بين الطوابير والأزمات...ومنهم من بقي داخل البلد يصارع الحياة بين طابور، وحلم على أمل أن ينتهي الكابوس .يعيش حلمه وعمله الفنّي تارةً، وتارةً أخرى تراه في خضم الحياة اليومية التي لايعنيها إبداعه ولا نتاجه الفني.

رغم سنوات الوجع السّوري مازالت دمشق المدينة العريقة بفنونها وفنانيها، بأهلها وتذوّقهم العالي للفنّ وأصالة رؤيتهم وعراقتها ...مازالت تلك المدينة التي لم تُخدَع بعبث مايصدّرُ إلينا من مهازل باسم الفنّ الحديث.

مازالت تعيش عراقتها والمعارض متوهجة والتجارب الفنيّة تنهض وسط الرّماد لتقول للجميع مازلنا على قيد الإبداع ..ما زلنا على قيد الفن..

ما زلنا نأخذ دورنا وفي الصدارة دائمًا.

الكثيرون منّا ذهبوا إلى أوروبا وأثبتوا جدارتهم وتفتّحت أحلامهم وألوانهم فرحاً وإبداعاً.

ومن بقي منّا في الوطن مازالت مسؤولية العمل الفني تؤرقه.. ليكون له دوره البنّاء ومسيرته التي لا تهدأ رغم كلّ الظّروف.. رغم كلّ شيء، ما زلنا ننتج العمل الفنّي بأفضل حالاته ..

ومازال المرسم مصدر الفرح واللوحة رسالة محبة وإبداع.

.........................

عصام الشّاطر ... سورية                                                                                                          

مجلة الملتقى

الإصدار التاسع

الإعجابات: 0

التعليقات: 0

المشاهدات: 157