logo

قصة قصيرة

عبد النبي فرج

"الإشارات الإلهيّة" 

الجدّة الولود التي أنجبت ثلاث عشرة بنتاً ويئست من قدرتها على إنجاب ذكر، استطاعت بالمكر والحيلة انتزاع ثلاثة عشر رجلاً أشدّاء ذوي بأسٍ أزواجاً لبناتها الكرام ذوات الحسب والنسب، والمحتّد العريق، وتكوين عائلة باسمها باعتبارها الجذر الطيّب الشّريف، مع حفظ الدّور القيّم للزوج الذي تزوّجها، وهى حامل في الشّهر الخامس من القنصل البريطاني، والذي اشتهر بكونه فنّاناً، وقضى وقتًا طويلاً في رسم وجوه الفلّاحات والفلّاحين، مع أنّه توجد روايات كثيرة تبيّن الدّور العنيف والقاسي الذي لعبه في إخضاع أهل هذه البلاد ،ثم يقال إنه يأتي آخر الليل ويظلّ يبكي على هذا البؤس الإنساني ، وعندما انتهت مدة ولايته وأثناء عودته إلى البلدة والعيش في الضواحي وفي ظلّ شتاءٍ قاسٍ شنق نفسه على شجرةٍ جرداء.

. وعندما تم نشر نعي القنصل، خرج الزّوج من كمونه وتزعّم مظاهرة بإرادة من حديد وأصبح مثالاً يحتذي به في الوطنية., هذه السيدة الهيفاء الطويلة ذات العيون الزرقاء والجلد الأبيض الشاهق، قلّ أن توجد امرأة في مثل إرادتها القوية وشراستها وعنفها غير المبرر أحياناً. ومن صلب هذه العائلة خرج قتلة مأجورون، فرسان، مهندسون، أطباء، فنانون ،أولاد قحبة وعاهرات رسميات بـ ” ابونيه” وسرِّيون ومخبولون. ومع زحف الزمن تآكلت العائلة ولم يبق منها سوى ماهر الذي بدد نصف ثروته خلال سيرته التعليمية المجيدة والتي ارتقى فيها إلى أن أصبح في العام الأخير بكلية العلوم قسم كيمياء حيوية .

كان نبيها ومصدر حسد من عائلات متخمة بالمال والبلاهة والرؤوس الكبيرة، والتي لو قطفوا رأس واحد منهم لملأت طشت غسيل, وقد ورث بيتاً كبيراً مليئاً بالسراديب والغرف والممرات، وإسطبلاً فارغاً، "وبدروماً" به بنادق قديمة وسواطير وأحذية من مخلفات الجيش البريطاني، وكراكيب كثيرة من أيام الجّدة. وفى رحلة نظمها اتحاد طلبة جامعة القاهرة إلى باكستان اشترك فيها، وسافر في صباح باكر من أواخر الخريف، وعندما وصل وأخذ يتجول في ربوعها وجبالها ويستنشق الهواء النقي ويجتاز الحدود، يسامر المتسولين وأصحاب العاهات ويتطوح مع الفرق والجماعات، وعندما انتهت مدة الإقامة، أجهش بالبكاء من البراءة الكاملة والطبيعة البكر والرحم الدافئ، واعتبر أن المكان رحم أمومي استطاع أن يمتص كل الكراهية والحقد، والوقود الذي يدفعه للرغبة المرعبة في الامتلاك والصعود إلى ذروة المجد، مما جعله يخلع البنطلون الجينز وجاكت جلد سعره 400 جنيه، وناوله لأول عابر سبيل واشترى جلبابا كورياً وطاقية وشالاً، وترك شعرات تتناثر على وجهه، وعندما عاد إلى البيت دمّر البوابة والسّور الواقي، وبقوة محركات "البلدوزر" خرّب البيت تماماً . ساعتها أحس بأنه في أوج النشوة الروحية لتلقى الإشارات الإلهية، حيث الروح في أعلى حضورها. ثم ترك الكلية ليغمر بالكتب المؤسسة مثل: رياض الصالحين، أهوال يوم القيامة، السحر والسحرة والوقاية من الفجرة، الحجاب الرباني.. يسير في الأسواق يدعو الناس إلى المحبة والصلح مع الله، وعندما لم يستجب أحد كما قدر، انزوى في البيت معلنا أن أعداء الله استطاعوا تسليط الجن والشياطين الكفرة على المسلمين الأبرار.. يظل طوال الليل ينتحب خوفا من عذاب القبر والثعبان الأقرع، يناجى المولى أن يكون من الفرقة الناجية. هذا العويل الليلي كان من ثمراته انجذاب أرملة تسكن بجواره، وتعمل في الوحدة الريفية، تنظف البيت وتمده بالأكل الطازج والسواك واللواء الإسلامي، واستطاعت أن تجمع له المريدين الأبرار بالفعل. هذه السيدة الجسورة، الجرمة والتي لها كرش بقرة وفم خرتيت، وقدما خف جمل استطاعت بالصبر أن تأسر قلبه حتى أنه لا يملّ التغزّل فيها باعتبارها يمامة شاردة. وفى واحدة من تطوحاته، وغنائه الروحي الذي وصل إلى أعلى مداه، أخطأ خطأً فادحاً، فبدلاً من أن يقول : لو عيني شرحت لغيرك يا نبي ..ردد:” لوعيني شرحت لغيرك يا أم محروس لأقلع النني، ولو قلبي شرح لغيرك لا اقلعه مني”. وكانت كارثة توقف “أبوعب” عن الأنين باعتبار هذا الأنين هو الخلفية الموسيقية المناسبة للدرويش. انفض عنه الأتباع وانزوى في البدروم منتظراً العفو الإلهي صامتاً، لا يأكل حتى تدهورت صحته تدهوراً شديداً، ولم يستطع كيس الأدوية أن يوقف هذا التدهور الكارثى، إلى إن رأى نفسه قد مات بالفعل وقد أدخلوه القبر بالفعل، وقد ضاق عليه القبر حتى اعتصر تماماً، وصوت يتردد هذا جزاء أعمالك. قام مختنقا باحثاً عن هواء شحيح في البدروم، يزيح الأشياء والكراكيب بعيداً عن الشبّاك، وصعد السلم إلى إن وصل إلى الشباك واستطاع أن يوسع فرجة يطل من خلاله على النهار الطالع, يزيح ركام العتمة، يأخذ شهيقاً قوياً وهو يرى الشارع ، الزر وع القليلة في الحديقة، الناس المدفوعة بقوة الحاجة . يدخل رأسه بين حديد الشباك يحاول أن يجتاز القضبان الحديدية، لم يستطع، وعندما همَّ بالكلام فقط توقف قلبه عن ممارسه عمله تاركاً أطفالاً وبيتاً مخرباً وإسطبلاً فارغاً وأرملة.

مجلة الملتقى

الإصدار الحادي عشر

الإعجابات: 0

التعليقات: 0

المشاهدات: 42