logo

بحث

د.فندي الدعبل

الأنماط الإيقاعية في القصيدة الموزونة....

إن دراسة الأشكال المختلفة للإيقاعات التي تولدها القصيدة إنما يقع من باب معرفة المناخ الموسيقي العام للنص هذا من جهة، و معرفة انفعالات الشاعر و إرهاصاته النفسية من جهة ثانية..

أولا..الإيقاع الحركي.

يعرف الإيقاع الحركي على أنه الوعاء الكبير الذي يستوعب و يمتص كل التداخلات النفسية و الفعلية و التأملية التي تحيط بالشاعر أثناء كتابة النص.

بعض النقاد يقولون إن الشعراء فرسان اللغة و أمراء الكلام، و بناء على ذلك نراهم يتفننون في رسم التفعيلة، فيقصرونها تارة مدللين بذلك على إيقاع حركي سريع، و يشبعونها تارة أخرى مدللين بذلك على إيقاع حركي بطيء

أي أننا نستطيع القول إن الإيقاع الحركي يكوّن بالنهاية فضاءً عامًا للقصيدة من خلال تشكيل خط بيانيّ يبدأ من مطلع القصيدة إلى نهايتها مخترقًا خطّ الوزن الجامد ليظهر بالنهاية جذر الفاعلية الإيقاعية لكل بنى القصيدة ومستوياتها.

و في هذا السياق يجب أن لا يغيب عن ذهننا قدرة الشاعر و معرفته المسبقة في انتقاء الكلمات التي يوحي شكلها بمضمونها، فالمفردات التي توحي بالسرعة ( ركض، جاء ، لعب....)

من شأنها أن تسرع الإيقاع.

أما المفردات التي توحي بالبطء من شأنها أن تبطئ الإيقاع ( نام ، همس، حلم.....)، و هنا نستعين بمقاطع شعرية مأخوذة من قصائد طويلة، 

يقول الشاعر موفق نادر:

مراراً بعثتُ إليك

نلاحظ أن التقسيم العروضي جاء على النحو التالي:

 مراراً بعثتُ إليك

0/0//../0//..0/0//

نجد أن التفعيلة الثانية جاءت فعول بدلا من فعولن ، و هذا ملمح إيقاع حركي سريع حيث تم قصر التفعيلة، و قد توافق هذا الإجراء مع دلالة المفردة بعثت التي تتطلب السرعة.

و في مثال آخر نلاحظ قول الشاعر نزار الشوفي:

تخطو على مهل ٍ و لا همٌ لها

نلاحظ أن التقطيع العروضي جاء على الشكل التالي:

مستفعلن /مستفعلن/مستفعلن...

فالشاعر هنا عمد إلى إشباع التفعيلة لإحداث إيقاع حركي بطيء ، و قد تضافر هذا الإجراء مع الدلالات المستخدمة التي تدل على بطء الحركة من قبيل ( تخطو على مهل/ لا هم )

ثانيا..الإيقاع الصوتي

يعتبر هذا النمط الإيقاعي أكثر الأنماط الإيقاعية بساطة و مباشرة ، و يعتمد على القيم الصوتية التي تولدها المفردات، فكلما كانت الدلالات ذات تردد عالٍ عندها ينصرف ذهن المتلقي إلى صوتية القصيدة أكثر من انصرافه إلى القيم الشعرية الأخرى، حيث يقوم الشاعر برفع صوته أو خفضه من أجل التأثير في الجمهور، أي أن الشاعر يميل إلى رفع صوته في في المقطع الذي يقع عليه النبر، و يخفض صوته في الحالة المعاكسة.

و هناك عوامل عديدة تساهم و تساعد في تشكيل الإيقاع الصوتي نذكر منها:

1- توالي القوافي المتنوعة يؤدي إلى إحداث تلون صوتي و بالتالي زيادة الإيقاع اللوني، و غالبا ما يلجأ الشعراء إلى مثل هذا الإجراء في المقطعات الشعرية أو في الثنائيات أو الثلاثيات أو الرباعيات.

2- كثافة أصوات الأحرف ذات التردد العالي مثل الصاد و الراء و القاف و ....

3- استخدام الصيغ اللغوية ذات النبر العالي، كالإكثار من صيغة فعّال و فعّل و....

4- استخدام التضعيف و تكراره.

هذا ما يجعل نبرة الصوت عالية و بالتالي حدوث الإيقاع الصوتي الصاخب.

5- استخدام بعض المفردات أو الأنساق اللغوية و تكرارها تكرارا متلاحقا منتظما، عندها يتولد تردد عالٍ للأصوات و حدوث إيقاع صوتي مؤثر و ملموس، كما في قول محمود درويش:

إني تركت زوجتي

 بلا وداع..

و إن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع..

فعلموه الانحناء...

فعلموه الانحناء...

فعلموه الانحناء...

نلاحظ أن تكرار حرف الراء، و تكرار النسق التركيبي ( فعلموه الانحناء ) قد ساهم بإحداث إيقاع صوتي مؤثر.

6- استخدام أساليب التعجب و الاستفهام إجراء من شأنه زيادة زخم الإيقاع الصوتي، و لاسيما الأسماء المضعّفة مثل

أنّى / هلّا / أيّان......

7- محاولة الشاعر الجمع بين تلك المفاهيم وتركيبها بطرق مختلفة تؤدي إلى خلق إيقاع صوتي جمالي في النص

مجلة الملتقى

الإصدار الواحد والعشرون

الإعجابات: 0

التعليقات: 0

المشاهدات: 264