logo

دراسة نقدية

د.فندي الدعبل

الموسيقا الداخلية

في قصيدة النثر

إنّ مصطلح قصيدة النّثر يجب أن لا يُجزأ بالمفهوم الأدبيّ العام، فهذا النّوع هو قصيدة أولاً وقبل كلّ شيء، لكنّها تُكتب بطريقة تبتعد فيها كلّ البعد عن الطريقة التي اعتادها الشّعراء في كتابة القصيدة العامودية أو قصيدة التفعيلة، أي أن الأوزان الخليليّة لا مكان لها في هذا النوع الأدبيّ، وهذا ما أثار الجّدل بين النقاد والمهتمين بالدراسات الأدبيّة، حول أحقّية التسمية والتجنيس.

إن مصطلح القصيدة النثريّة يختلف اختلافاً كاملاً عما يمكن أن نسمّيه النّثر الشعريّ، وهذا ما يجعلنا أمام استحقاق ومسؤولية مغايرة للفصل بين القصيدة النّثرية وإيقاعاتها المختلفة، والمواضيع النّثرية المُصاغة بلغةٍ شاعريّةٍ رقيقةٍ .

أهم سمات القصيدة النثرية الاختصار والتكثيف والإيحاء التصويري، والاعتماد على الجمل القصيرة البناء،  والابتعاد عن الحشـو والتكلّف والتّصنع والارتكاز على القفل المدهش المضغوط .

هذا ويقابلنا في النثر الشّعريّ ما يخالف تلك المفاهيم بشكلٍ عام، مع خلاف جوهريّ بينهما يجب ألا يغيب عن الذّهن، هو أن القصيدة النّثرية تعتمد الصورة لتشكيل نسيجها البنيويّ، بينما يشكّل السّرد الوصفيّ عماد ونسيج النثر الشّعري

من خلال ما سبق، نستطيع القول: إنّ قصيدة النثر اكتسبت شخصيّة مستقلة، ذات خصائص مميّزة تجعلها مكتملة الانتماء إلى المنظومة الأدبيّة الشعريّة.

فهي وقبل كلّ شيءٍ تعتمد الوحدة المغلقة المضغوطة من خلال رصد ورسم خط بياني دائري مغلق، وقوانينها لا ترتبط بالشّكل اللّغويّ بل بالعمق العضويّ لما تطرحه، حيث يحاول الشّاعر من خلالها أن يُدخل الزّمان والمكان والحياة بشكل عام بأشكال إيقاعية يفرض عليها هيكلاً منظّماً، سواء أكان بالمقاطع المنظمة أو بالتكرار أو عبر طرق البناء المختلفة كالبناء الدائريّ أو الحلزونيّ أو المنسرح الطّليق أو غيرها...، كما أنّها تستند وترتكز على توازنات خاصة بها للتعويض عن الوزن الضّائع فيها وعن القافية المهملة الشّأن.

وهنا لابدّ من التّركيز على المفهوم التّالي :

إن كلّ قصيدةٍ هي شعر بالضرورة وليس كل شعر يمكن أن يكون قصيدة بالمفهوم الاصطلاحيّ للقصيدة .

إذن ... نستطيع القول إن قصيدة النثر تستغني عن بحور الخليليّ وإيقاعاتها المألوفة في الأذن العربية ، وتعتمد على انسجامها الداخليّ الموحّد كتعويض إيقاعيٍّ متجدد، لذلك وعند هذه النقطة لابد من توضيح اللّبس القائم بين قصيدة النثر وما يمكن تسميته بالقصيدة الحرّة .إن القصيدة الحرّة مزجت في بنيتها بين الشّعر الموزون والنّثر المُدخَل المتعمّد، أما قصيدة النثر فهي متحرّرة من ذلك ، وكما أشرنا قبل قليل فإنّها لا تلتفت إلى الأوزان الخليليّة، وإن صادف ووجدنا بعض التفعيلات التي تشكّل مجتمعة جزءاً من أحد البحور الشعريّة، فإنّنا لا نقيم وزناً لذلك نظراً لإهمال البحر كليّاً أو امتزاج وتداخل أكثر من بحر معاً في البنية المقطعيّة الواحدة، وهذا ما دعا الكثير من النّقاد إلى القول بأن قصيدة النثر فرس جموح صعب القيادة والسّياسة، وهي ليست مطيّةً لمحاولي الشّعر الذين يشكُون من صعوبة الشّعر الموزون نتيجة لقيوده الكثيرة المعقّدة إلى حدّ بعيد، لذلك نجد أن خيّال القصيدة النّثرية هو شاعر عرف الأوزان لكنّه ابتعد عنها عامداً متعمّداً إلى أبعد وأعمق من ذلك .

إذن ... نستطيع القول إن قصيدة النّثر تستغني عن بحور الخليليّ وإيقاعاتها المألوفة في الأذن العربيّة ، وتعتمد على انسجامها الداخليّ الموحّد كتعويض إيقاعيّ متجدّد ، لذلك وعند هذه النّقطة لابد من توضيح اللبس القائم بين قصيدة النثر وما يمكن تسميته بالقصيدة الحرّة .

إن الموسيقا في قصيدة النّثر تعتمد على البنية الإيقاعية، وهي بنية ذاتية داخلية تلغي أشكال الموسيقا الخارجيّة كالوزن والقافية، وتنأى عن الأشكال البلاغيّة الأخرى كالتّرصيع والجناس والطباق وغيرها مما تحتاجه القصيدة الموزونة، فالموسيقا الداخليّة تقوم على الحدس بالتجربة الشّعرية، والتّفجير محل التسلسل، والإيحاء محل التّفسير، هذا ويتجلى إيقاعها المتنوّع في التّّكرار والتّوازي وحروف المدّ وتزاوج الحروف، وتفجير واستغلال الخصائص الصوتيّة للحروف لدعم الانسجام الغنائيّ، ولتعويض الوزن الغائب يلجأ الشّاعر إلى استعمال إيقاع الفراغ أو القطع، ويلجأ أيضاً إلى الحذف والتّكثيف والتّواتر، ويبتعد عن الشّكل المعروف للسّرد إلى الشكل العشوائي غير المألوف مما يوحي بالعفويّة والتلقائيّة المدهشة. ويعتمد الشّاعر فيها على توظيف مفرداتٍ مشحونةٍ تنهض وتقوم على تكثيف دلاليّ وهي مع ذلك لا تقدّم احتمالات جاهزةً للمعنى .

كذلك نلاحظ أن تناوب الجمل الفعليّة بين الماضي والمضارع والأمر، مع الجمل الساكنة، من شأنه أن يعمل على خلق فضاء متوتر غالباً ما يضيف رصداً إيقاعيّاً جديداً.

كما أنّ الاعتماد على المتقابلات الضّدية التي تعتمد المفارقة نهجاً لها، أيّ التّناوب بين أفق الدّلالة الموجب وأفق الدلالة السّالب، هو إجراء من شأنه تعضيد وتعصيب الإيقاع أكثر.

كذلك نلاحظ أن تنوّع أسلوبيّة الشّاعر بين السّؤال وتقديم الإجابة عليه، أو تقديم صاحب الحال، أو تقديم الخبر أو الفاعل، كلّها من شأنها أن تزيد وتردف الموسيقا الداخليّة لقصيدة النثر.

إن الاعتماد على الاستفهام وصيغ التعجّب والإثبات والنّفي، كلّها ترفع من منسوب الموسيقا الداخليّة.

إن ظهور التّرددات الصوتيّة النّاشئة من تجاور الأصوات المتشابهة أي إحداث السّجع ، والتكرار الجُمليّ، كلّه يزيد من إيقاعيّة القصيدة.

وكذلك نلاحظ أن عدم استعمال حروف الرّبط يجعل المفردات تتلاحق بشكل مباشر، وهذا ما يقود إلى سرعة الحركة، وبالتّالي يساهم في إحداث إيقاعات إضافيّة.

من خلال ما سبق نخلص إلى أن قصيدة النّثر تبتعد عن الإسفاف النثري، وأن الإيقاع الداخليّ فيها هو من أخطر القضايا التي يجب تناولها لأنّه سببّ رئيسٌ في إنجاح القصيدة وإخفاقها .

المراجع..

1- قصيدة النثرـ    د. زياد المحبك

2- القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدّلالية والبنية الإيقاعيّة

            د.محمـد صابر عبيد

3 - موسيقا الشعر العربي

             د. محمود فاخوري

 

 
 

مجلة الملتقى

الإصدار الأول

الإعجابات: 1

التعليقات: 1

المشاهدات: 749

Nizar

دراسة أكثر من رائعة وممتعة من ناقد خبير تميز بحرفه وفكره المتقد ..تشرفت بقراءة هذا النص.