logo

بحث

د.فندي الدعبل

الضّرورة الشعريّة و الانزياح

أولاً : تعريف الانزياح.

الانزياح: هو استعمال المبدع أو الشاعر لمفردات و تراكيب و صور استعمالاً ، يخرج بها عما هو معتاد و مألوف، بحيث يؤدي ما ينبغي أن يتصفَ به من إبداع و قوة و جذب و سحر ، عندها يتشكل الانزياح، الذي يُعتبر الفيصل بين الكلام الفني و غير الفني.. وهنا نجد جان كوهين و هو المنظّر الأول للانزياح يقول:

إن الانزياح وحده ، ووحده فقط هو الذي يمنح الشعرية موضوعها الحقيقي، وهذا يقارب حديث رولان بارت عما يُسمى درجة الصفر في الشعرية ، أي التي يكون فيها الكلام فقيراً غير قادر على التأثير و الإثارة، فالنص الشعري و على رأي رامبو ؛ هو كيمياء الفعل التي يجتمع بفضلها داخل الجملة كلماتٌ لا تجتمع من وجهة نظر الاستعمالات العادية للغة.

ثانياً: الضرورة الشعرية بما هي انزياح.. أكثر ما ينطبق على لغة الشعر هو أنها لغة النّفس بكل ما فيها من توتّرٍ وانفعالٍ، في حين أن لغة النثر أقرب إلى برود العقل، لذلك نستطيع أن نسِمَ لغة الشعر بأنها لغة انفعالية و لغة النثر بأنها لغة تعاملية منطقية، وبناء على ما سبق نستطيع القول :

إن اللغة الشعرية الانفعالية التي تقترب من التلقائية والتي تنفجر تحت تأثير انفعال شديد لا تتيح الزمن اللازم، الذي يجعل المبدع يطابق فكرته على تلك القواعد الصارمة؛ أي قواعد اللغة المتروية المنظّمة ، بمعنى آخر هل تتعارض اللغة التلقائية الفجائية مع الضوابط النحوية للغة ؟ وهل يمكن للغة التلقائية أن تخترق أنظمة الوزن الصارمة؟ هناك العديد من الآراء و الأفكار حول هذه الطروحات نستعرض منها على سبيل المثال لا الحصر.

1- كوليردج مثلا يقول : إنه لكل انفعال نبض خاص به ، وأنماط تعبيرية مميزة له، و هذا ما يميز فحول الشعراء عن سواهم فلا يقعون في نبض مغاير للقواعد.

2- أما رودرز فيقول : إن الشعر يتضمن الانفعال بصفة دائمة ، ولكن لابد من التصحيح فيما بعد شرط عدم تأثر حرارة النص ، وانحرافه نحو البرودة.

3- أما أبو العتاهية فله قول مشهور "أنا أكبر من الخليلي و كل عروضه" ، و كأنه يريد أن يقول ؛ إن العروض لا يمكن أن تقف حائلاً أمام حريّة الشّاعر، فإن وقف حائلاً فلا عليه إن هو ابتدع لنفسه عروضاً آخر يعبّر من خلاله بلغته الانفعاليّة التلقائيّة.

4- نجد أن ابن المبرد يقول : إن الوزن يحمل على الضرورة أي الجواز ، و إن القافية تقود الشّاعر إلى الحيلة مما قد يغير من انسيابية الانفعال.

5- كمال بشر يجهر بأن الضرورة ليست من باب الخطأ ، و إنما تأتي على وفاق قاعدة جزئية تختلف مع القاعدة التي سُميت عامة ، و هي لا تؤثر على انفعالية اللغة، إن كانت محدودة و قليلة .

6- الناقد أحمد مندور يتهجم على النحويين الذي يصفون هذا الخلل بالضرورة ، حين تعجزهم الحيلُ عن إيجاد علة منطقية لتفسيرها.

7- أما سيبويه فيقول: إن الشعراء أمراء الكلام ، يصرفونه أنى شاؤوا، و يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى أو تقييده شرط إغناء النص عن طريق تحقيق الانزياح المشبع، المرتكز على اللغة الانفعالية الخالية من الشوائب.

8-  نجد ابن قتيبة يجيز ،و يبيح الضرورة ولكن بحدودها الجمالية ، و هو يحدد مواقع الضرورة الجمالية ، فالشاعر يضطر لصرف ما لا يصرف و ليس العكس، و يجوز إسقاط الهمز من المهموز وليس العكس، و يجوز قصر الممدود و ليس العكس.. وهكذا نستنتج من كل هذه الآراء على اختلافها؛ أن النقاد سمحوا بالضرورة الشّعريّة المحدودة التي تغني النّص و تحقق انزياحاً في التراكيب و الصّور قصد الابتكار و التجديد .

وهنا لابد من ملاحظة أن النقاد القدامى قد فهموا الضرورة على غير ما يوحي بها اسمها ، أي أن استعمالها لا يكون اضطراراً دائماً و إنما تأتي في أحايين كثيرة على نحو اختياري حرّ مقصود ، اي أنه إذا وقع الشاعر فيما يسمى الضرورة أو الجواز و كان له عنها غنى، فهذا يعني أنه يقصد إليها قصداً ، و أن له من ورائها غاية فنية لتحقيق انزياح معين جميل في المفردة بذاتها.

و قد أفرد ابن جنّي باباً واسعاً لمناقشة هذه الفكرة فيقول :

قد لا يكون الوزن هو ما ألجأ الشاعر إلى الضرورة، و إنما رغبة في الاعتياد على لفظ معين ، أي أن مرتكب الضرورة لا يرتكبها عن ضعف و عجز ، و إنما عن قوة طبع و فيض ، فهو يشبه المغامر في ركوبه المخاطر ، فهو لا يبالي بالمخاطر لأنه يحصل على لذة مضاعفة من جراء تلك المغامرة الشائقة، و لعل لذة الشاعر لم تأته إلا من خلال ارتكابه الضرورة لذلك نجده يجهر بحقيقة مفادها أن الضرورة مظهر من مظاهر شجاعة اللغة العربية يرتكبها فارس مغامر لا يستكين ويهدأ إلا للمغايرة التي تقود الى مسحات و مسحات من الجمال .

وهذا ما جعله أعرف من المتنبي بشعر الأخير، فقد سوُغ و علل معظم الضرورات الواردة في شعر المتنبي على قاعدة الفروسية و المغامرة و الجمال.

وهنا نجد تقاطعاً جميلاً بين ابن جنّي و الأصفهاني ، الذي يعدّ الضرورة الشعرية وسيلة من وسائل نماء اللغة و غناها و تطورها.

وعلى عكس كل الأقوال والآراء السابقة نجد ابن رشيق يقول : إنه لا خير في الضرورة مطلقاً، وهي لا تؤدي إلى نماء اللغة و إنما خللها ، فلا يسوغ دخول( ال) التعريف على الفعل مثلاً ، لأن ال التعريف من علامات الاسم، و لا يفضل قصر الممدود لأن العرب اعتادت اللفظ الطبيعي قبل أن تعتاد اللفظ المعدل.

نهاية يجب أن لا يغيب عن بالنا أن الضرورة  تختص بلغة الشعر فقط ، و لا يجوز استعمالها في الكلام النثري مطلقاً ، أي أنها و إن سُميت ضرورة فهي بالقياس إلى الكلام النثري، ولم يبق أمامنا سوى إبداء ملاحظة قد تشكل رؤية خاصة  حول مفهوم الجواز أو الضرورة الشعرية.

إن السؤال الحقيقي الذي لابد من طرحه هنا يتعلق بالوزن الخليلي للقصيدة، فكما لاحظنا أن معظم الآراء تؤيد الضرورة الشعرية التي تعبر عن فروسية اللغة و الشاعر معاً ، لكن و بالجانب المقابل لم يتناولوا تأثر الايقاع العام للقصيدة عندما يؤثر الشاعر الذهاب إلى الجواز عامداً متعمداً للدلالة على فروسيته و مقدرته الشعرية، و بالتالي هل تتأثر الموسيقا الشعرية في ظل غياب أو اضطراب الإيقاع الناجم من إباحة الجواز؟ إنّ الموسيقا الشعرية تظهر بالوزن و الإيقاع، و كما نعلم أن بعض البحور الشعرية تختلف بتفعيلة واحدة عن بحر آخر ، كالذي بين السريع و الرجز ،أو كالذي بين السريع و المنسرح ، أو غيرها من البحور المتشابهة إلى حد كبير، وهنا يأتي السؤال ماذا لو طال الجواز أو الضرورة التفعيلة المغايرة بين البحرين ليتحول أحدهما إلى البحر الاخر، فهل يستقيم هذا الإجراء؟

مع من الفريق المؤيد لاستعمال الضرورة و اعتبارها مظهراً من مظاهر الفروسية و شكلاً من أشكال شجاعة اللغة العربية؟!

مجلة الملتقى

الإصدار الثالث

الإعجابات: 2

التعليقات: 3

المشاهدات: 1293

ميادة الحجار

مقال ثري، أشكرك

كل التقدير لهذا الحرف، دمت جميلاً دكتور فندي

زيدان عبد الملك

مقال جميل، وشرح مختصر وواضح، وهذا ما امتياز به أسلوب الدكتور فندي، يثري ويمتع، وافر الأمنيات