logo

فضاء فنّي

عصام الشّاطر

فنّ الرؤية وخبايا الواقع 

كما الرٌوح القلقة الباحثة عن مواضع الجمال والحكمه، كذلك عَينُ الفنّان التي تبحث وتراقب وتتعمّق في كلّ تفاصيل الكون والشّخوص والطبيعة، ومفردات الحياة المرئيّة تراقب اللون والضّوء وانعكاساته وتغيّراته في كلّ المناخات وعلى كلّ الموجودات.. يتوقف الإنسان مبهورًا أمام أشياء لا يمكن أن تلعب أيّ دورٍ في حياته أمام انعكاسات لا يمكن أن تُمسك، أو حالاتٍ  لحظيّةٍ وآنيّةٍ لدقائقِ الطبيعة أو لألوانٍ مذهلةٍ أو غيومٍ وأضواءٍ وسماءٍ بحالاتٍ نادرةٍ، وحدها العين المدرّبة هي التي تلتقطُ كلّ التفاصيل وكلّ الحالات الدّقيقة في الوجود،           

 

عندما تتقن فنّ الرؤية سترى الوجوه والطبيعة وكلّ الأشياء أمتع بكثير، كلّ فنانٍ مهما يكن الزّمن أو المدرسة التي ينتمي إليها يكشف لنا ملامحًا جديدةً للواقع.

من المعروف في دراسة الفنّ وتاريخه منذ عصور الكهوف ميل الإنسان الفطريّ لمحاكاة الواقع ورؤية مايحيط به من ضوء وظلال وموجودات وتقليد الواقع حسب إمكاناته وقدراته، فرسمُ الثّور على جدران الكهوف كان يقتضي رسم صدر الثّور وكتفيه على صخرةٍ نافرةٍ في جدار الكهف لمقاربة الشكل، وتطوّرت الرؤية مع تطوّر الإنسان لتصبح عِلْماً بحدِّ ذاته وأحد أهم أركان الفنّ، وهذه الرؤية ساهمت في الكثير من المتغيّرات في مدارس الفنّ واتجاهاته، فالفنّان الانطباعيّ كان محورُ عمله دراسة الضّوء وتبدّلاته المختلفة، وهذا ما دفعه للرّسم خارج جدران المرسم واكتشافه لتأثيرات اللون التي كانت أساساً لتغيير وجه الفنّ وكان لرؤية الفنّان البصريّة سبقاً على الآخرين حيث يرى الفنّان ما لايراه غيره، وهناك الكثير من الأحداث التي عرفت في تاريخ الفنّ كان لها دوراً في تغيير رؤية الٱخرين وتصويبها.

سافر الفنّان الفرنسيّ مونيه إلى لندن وهناك رسم كنيسة ويست مينستر وقد عمل مونيه في يوم لندنيّ ضبابيّ وفي لوحته لا تكاد الخطوط القوطيّة للكنيسة تظهر من الضّباب، كانت اللوحة مرسومةً بأستاذيّةٍ عاليةٍ، وعندما عُرِضت اللوحة أثارت بلبلةً بين اللندنيين لأنّ الضّبابَ في لوحة مونيه مرسومٌ بضوءٍ قرمزيٍّ، بينما كان معروفًا لدى الجميع أنّ لونَ الضّباب رماديٌّ ، وأثارت جُرأة مونيه موجةً من السّخط بين حضور المعرض، ولكنّ السّاخطين عندما خرجوا إلى شوارع لندن، حدّقوا في الضّباب ...ولأوّل مرّةٍ لاحظوا أنّ لونَ الضّباب قرمزيٌّ، فبدؤوا يبحثون ويعلّلون ذلك فاكتشفوا أنّ درجةَ اللون الأحمر في الضّباب تتوقف على وفرة الدّخانِ بالإضافة إلى لون الآجر الأحمر في البيوت اللندنيّةِ التي تمدُّ الضّباب بهذا اللون، فرؤية مونيه كانت السبّاقة، فبعد لوحاته أصبح النّاس يرون ضباب لندن كما رسمه مونيه.. وسمّي بعدها بخالق ضباب لندن.

وهكذا .. تتعدّد الرؤى وتكثر الحكايا ويبقى الواقع وخباياهُ المدهشةُ مرجعًا لا متناهيًا ومُعلِمًا للفنّانين.

مجلة الملتقى

الإصدار الخامس

الإعجابات: 4

التعليقات: 3

المشاهدات: 489

زياد القنطار

إطلالة مائزة، و إضاءة وافية من فنان جميل الريشة وارف الجمال

نزار الشوفي

جميل جدا أن يكون الفنان صاحب رؤية وثقافة وإطلاع يعادل إبداع ريشته المتميزة...كل التقدير لقلمكم الجميل والممتع

راتب صادق

جميل ... فن الحديث عن الفن