logo

فضاء فنّي

عصام الشّاطر

رؤية الواقع وعين الفنان الباحثة

على مرّ العصور وسنوات البحث الفني، لا تزال الرؤية للواقع وتحليلها حسب رؤية الفنان، إلى سطوح وألوان، مساحات وخطوط هي هاجسه الذي يحاكي الواقع،أو يعيد إنتاجه عملاً فنياً متكامل القوانين والرؤى، فيحكم المشاهد العادي على العمل بالجمال والمحبة أو بالرفض والحياد، بينما ينطلق الناقد والخبير في تحليل العمل الفني، إلى مساحات وتكوين ورسم وخطوط وتوازنات .....الخ، وذلك في قراءة عميقه للعمل وللفنان معاً.. تكثر تجارب الفنان وحكاياته مع العمل الفني،والواقع، من حدث عادي إلى قوانين علمية وكونيه تستند لمعايير دقيقه في العمل الفني وأصوله.. كان الفنان الفرنسي بول سيزان ( 1839-1906)صديقاً للروائي الفرنسي إميل زولا وبينما كانا يمضيان وقتهما في السباحة عند اشتداد الحرّ، في بركة خلف سد بناه والد إميل زولا الذي كان مهندساً...وكان سيزان يرى جبل سانت فيكتوار الذي كان موضوعاً لعدد من أعماله المهمة من فوق السد، فرسم سيزان الجبل، برؤية فنية هندسية مهمة جداً، على صعيد تحليل الجبل والمشهد إلى خطوط شاقولية، وأفقية، ومنكسرة مدروسة في بناء التكوين، وموقع الجبل في اللوحة وعلاقته بباقي المشهد لتكون أعمال جبل سانت فيكتوار إضافة ثرية للفن العالمي...

وكان الانطباعيون يرسمون الطبيعه وتأثيرات الضوء، ويلتقطون حالات اللون الدقيقة ويضيفون عليها تأكيدات أكثر ومبالغة في بعض الأماكن وفق قوانينهم..

وفي علاقة بول غوغان( 1848-1903) باللون والطبيعه وحكايا بحثه اللوني ..أنه كان يعاني دائماً من المرض سواء كان ذلك حقيقة أو توهماً، فقد تراكمت ديونه لدى الصيدلاني المحلي، وقد وافق الأخير على أن يأخذ أحد أعمال غوغان لقاء التنازل عن ثمن الدواء، وشرع غوغان في رسم لوحة الحصان الأبيض وهي إحدى لوحاته التي تنال إعجاب كل من يراها .إلا أن الصيدلاني رفضها  قائلاً : ولكن الحصان أخضر؟!

- فيجيب غوغان موضحاً رؤيته وفهمه لتغييرات اللون في الطبيعة: لو أنك  نظرت للطبيعة بعيون نصف مغمضة، في فترة الظهيرة لوجدت أن اللون الأخضر يغمر كل شيء...إلا أن الصيدلاني رفض اللوحة قائلاً: إنه يريد لوحة يراها بعينيه المفتوحتين.. ولم يدرك الصيدلاني أن غوغان كان يرسم ويكتشف قوانين وخطوات للفن فيما بعد ..ولم يدرك أن هذه اللوحة ستكون ذات قيمة عالية جداً فيما بعد ...والكثير من الأعمال التي رفضت في زمانها كانت فيما بعد منارة لأجيال من ذواقة الفن ومريديه ويبقى الفنان هو مكتشف الواقع و عينه الخبيرة تسبر أغواره مقدمة النظريات والقوانين الجديدة وريشته تنجز أجمل الأعمال.

مجلة الملتقى

الإصدار السادس

الإعجابات: 2

التعليقات: 2

المشاهدات: 314

زياد القنطار

دمت حرفاً وريشتةً ينثران الجمال

نزار الشوفي

كل الشكر والتقدير لما يهبنا إياه فكرك الحاضن للمعرفة .