logo

فضاء الترجمة

غادة الأغزاوي

مَاتْياسْ ريشَارْ: شاعرٌ أدائيٌّ فرنسيٌّ.

ولدَ عام 1974، يقيمُ حالياً في مرسيليا. كاتبٌ وشاعرُ "هاردكورْ بنك"، حَركَةٌ كتابيَّةٌ متذمرَّة ومعارضَة. يشتغلُ في أدائِهِ الشِّعريّ على حَركات وأصواتِ الجَسَدِ وتعابيرِ الوجهِ ثمَّ الموسيقى.

قراءةٌ غنيَّةٌ شعريّا وفنياً

النص:

كلُّ شيءٍ يَنهارُ. كلُّ شَيءٍ يتلاشَى إلى قِطعٍ، إلى قِطَعٍ صَغيرةٍ. أستيقظُ، مُفكَّكاً إلى قطعٍ، أبحثُ عنْها قطعةً قطعَة. إنّها مُشتَّتة، مُبعثَرة، بعضُها ضائعٌ، البعضُ الآخر لا أدْري. حَولي، العالمُ انهارَ. أصدِقائي انْهاروا. عائِلتي انهارَتْ. مَشاريعي لمْ تعدْ هُناكَ حاجةٌ إليها، إنّها سَخيفة. أبحثُ عن ملابسي فقطْ، ولا أجدُها. أريدْ أنْ أرقصَ، أن أرقصَ فقطْ، رقصةً مُنهارةً، نُدركُها ثمَّ تَضيعُ في حركاتٍ تذهبُ بعيداً ولا يمكنُنا الإمساكُ بِها. العالمُ انهارَ، بمهارةٍ، تمامًا ونهائيّاً. لم يتبقَّ سِوى جُزيئاتٍ، مُنحدَرات تآكَلتْ إلى غُبارٍ، إلى سُحب منْ غبارٍ كثيفٍ يخنُقنا. كلُّ الأحلامِ ماتَتْ، كلُّ الحالمينَ سُحِقوا، الأنذالُ تضَاعفوا، الأنذالُ انتصَروا، الأنذالُ مُنظَّمون، الأنذالُ مُتأقلِمون، إنَّهم يتكاثَرون ويُشيِّدونَ ويَعُدّون. العالمُ لهُم، يريدونهُ لهُم، لقد دمَّروهُ ودمَّروا معهُ كلّ الأحْلام والحالمين، إنَّهم لا يعرفونَ ذلك، يستمرّونَ، يَدهَسُون، لا يرونَ أنَّهم يُدمِّرونَ أنفسَهم أيضاً، لا يرونَ، يستمرُّون، لديهِم مصالحُهم، مصالحُهم الصّغيرَة، أمّا الباقون فلينْتظِروا، فليَمُوتوا، فليَكونوا عَدَماً، كلُّ شيء سَحْقٌ، إنكارٌ، غَباءٌ، وحشيَّة، عنفٌ، أنانيَّة، يقولُ لي صوتٌ أنْ أكونَ قويّاً، فذلكَ هو الحلُّ الوحيدُ، هكَذا فعلتَ دائماً لتعبرَ إلى هُنا، وما زال َهناكَ بَعضُ القوَّة في فُتاتكَ المُبعثَرِ، لكنَّني لا أريدُ أنْ أكُونَ قويّّاً في عالمٍ تكونُ فيهِ القوَّة مُرادفاً لحَماقةٍ عميقةٍ، سأكونُ قويّّاً برفْضي لأنْ أكونَ قويّّاً، وضعتُ قوَّتي في الأحلامِ، وكلُّ الأحلامِ انهارتْ، قوّتي عاطلةٌ، تَتفكَّكُ، تتبذَّرُ، تتقطَّرُ وتذهبُ مع الرّيح والتَّيارِ، عَساها تسْقطُ على أحدِهم وتَهبُهُ ما يجبُ ليدَمِّر الدَّمارَ، ليُهْلِكَ الانهيارَ، ليقتُلَ المَوتَ، ليَخلُقَ انهياراً للانهيارِ. الانهيار المَعكوس، مثلَ تلك الأفْلام التي تعودُ إلى الخلفِ، حيثُ تعودُ الحياةُ إلى الحَياةِ، حيثُ يَعلو ما سقطَ، وما ماتَ يحْيا. ربَّما. في يومٍ ما. ربَّما. لكنّني لا أظنّ. اليومَ كلُّ شيءٍ منهارٌ، استيقظتُ منهاراً نهائياً في عالمٍ منهارٍ، من بين البشرِ انتصَر الأنذالُ إلى الأبدِ، إنّه مصيرُ جِنْسِنا. نحنُ نَمْتثلُ لريحٍ تُفتِّتُنا، تتطلبُ منا بذلَ جهدٍ دائمٍ من التنقل، فقط كَي نبقى مُؤتلفين، علينا أن نتقاتَل باستِمرارٍ حتى لا ننفجرَ ونتفسّخ مثل التماثيل الهشّة، أن نركضَ، أن نناضلَ، أن نُموِّه، أن نهاجمَ، أن ندورَ في الهواءِ، أن نمثِّل الموتَ، أن نتظاهرَ به، ألاّ ننام، أن نجدَ خُلوةً للاختباء، خلسةً في وضحِ الضوءِ. الحريةُ تكلِّف الحياةَ، البقاءُ يكلِّف الحريةَ. أنظرُ إلى البنايات التي تنهار جزءاً جزءاً، والأفكار التي لا بداية ولا نهاية ولا وسط لها، تضيعُ مُفصّلة، ناسيةً نفسَها وناسيةً إمكاناتها، والطيور التي تتحطّم واحداً تلوَ الآخر على الأرضِ، والأرض التي تتصدّع، والصَّدْع الذي يتسلّق مثلَ الندوب إلى أجسادنِا، وأجسادنا التي تتمايلُ إلى أن تهوي، مُحاولةً ألاّ تهوي، لكنّها تهوي، ثمّ تزحف، زاحفة أو منْ دون حركة، ظهرُها على الصَّدْعِ وبصرُها ثابتٌ مُوَجَّهٌ إلى السّماء، بأطراف فوضويّة، في انتظارِ أن ينتهي كلُّ هذا. لكنَّ الانهيارَ الذي يخترقنا ويفتِّتنا مثلَ قطعةِ السكر بينَ الأصابع، ذاكَ الانهيارُ لا يقتلنا، ولربّما هذا هو الأفظع، نستمرّ في الحياةِ مُتآكلين مُتَحَفِّرين مُتقَلِّصين داخلَ انهيارٍ يتجدَّد باستمرار، موتٌ مُطوَّلٌ في كلّ ثانيةٍ، كلّ يومٍ نفتحُ أعيُننا المُنهارةَ في عالمٍ منهارٍ، كالرّمل الذي يتسرَّبُ إلى الوعيِ لبضعِ لحظاتٍ، ونظنُّ بأنّه الأخير، بأنّنا نموتُ، بأنّه الموتُ، (حَسناً، لقدْ متُّ اليومَ)، لكنَّ ذلكَ يستمرُّ، نتفكَّك، نستمرّ في التفكّك، إنه موتٌ على نارٍ هادئةٍ، حياةٌ تموتُ، تُفاجَأُ بأنَّها ما زالتْ تعيشُ قليلاً، بلا حلمٍ ممكنٍ، بلا هدفٍ يستحقُّ، بلا فرصَة ما، بلا أفقٍ، مُجرّد حياةٍ، حياةٍ منهارةٍ، مدهوشةٍ، منهكةٍ، قطعٍ منهارةٍ منَ الحياة، وسط عالمٍ منهارٍ نهائياً، حيثُ كلّ شيءٍ يُشيَّدُ ينهارُ، كل شيء يُشَيَّدُ يسقطُ. أنهارُ، تنهارُ، نَنْهار، كلُّ شيءٍ ينهارُ، ورغمَ ذلك ما زِلنا هنا، قليلاً، قليلاً فقط، بضعُ قطعٍ وسطَ الجدران المُحطّمة فقط، الأسقفِ المُحطّمة، الأحلامِ المُحطّمة، الشَّمسُ المغطّاة بالمالِ. أجمعُ أطراف العضَلات، الأرصفة، الأضواء، بقايا الغائط، شظايا الزجاج المتكسّر، الأغلفة، أطراف الحيوانات، ثمّ أكَوِّرُ كلّ هذا. أدفعُ الكُرةَ أمامي ثمّ تكبرُ، في طريقها تخلطُ معها كلّ النـفايات وتكبرُ، آكلُ منها (أُدخِلُ يدي، أنبشُ، أُخرِجُ قطــعةً ثم أضعهُا في فَمي)، وأواصِلُ دفعَ الكرةَ، التي تكبرُ وتكْبرُ وتخلطُ كلّ جُزيئات هذا العالم المنهارِ. ثم أدفعُ الكرةَ. أدفعُ الكُرةَ. أنا بعيدٌ عنْ بيتي…

مجلة الملتقى

الإصدار الثالث عشر

الإعجابات: 0

التعليقات: 0

المشاهدات: 92