logo

بحث

د.فندي الدعبل

مفهوم اللغة في الشعر العربي....

إن التمازج والاندخال القائم بين الشعر واللغة، يقتضي بالضرورة التسليم أن لغة الشعر لابد أن تكون تجربة متكاملة تدلّل على كل مكونات القصيدة من خيال وصور وإيقاع.

إذن..

نستطيع القول أن الشّعر يتألف من ثلاثة عناصر:

1-اللغة

2- الصورة الشعرية

3- الإيقاع

والشعر بالأساس هو صورة شعرية قبل أن يكون إيقاعًا، ذلك لأن الصورة حد مجهول للشاعر والمتلقي معا،  فإذا كان الشاعر لا يعرف بشكل مسبق الصور التي ستعبر عن موضوعه، فكذلك  ينبغي أن تكون الصورة الشعرية جديدة للمتلقي أيضا.

أما الإيقاع فهو حدٌّ معلوم للشاعر والمتلقي غالبا ما يتشكل نتيجة الخبرات المتراكمة والتكرار ومعرفة بحور الشعر التي أُقفِل باب الابتكار والتجديد فيها منذ عهد الخليل بن أحمد الفراهيدي وحتى الآن.

أما اللغة وهي مجال البحث، فالمقصود بها اللفظة أو المفردة بحدّ ذاتها التي تشكل نواة الصورة الشعرية، وأحد الجوانب المهمة للهيولا البدائية في عملية الخلق الشعري، انطلاقا من وظيفة خيال الشاعر، فالشاعر يأخذ حفنة من الألفاظ من هنا و حفنة من هناك ثم  يقوم خياله بالتوليف لتكوين الصورة الشعرية وفق المخطط التالي:

لغة+ خيال  ...ينتجان صورة شعرية . 

و من هنا جاءت المقولة الجاحظية :

* إن اللغة هي الهيولى الأولى التي من خلالها يصوغ الشعراء صوراً شعرية مختلفة في شكلها وكيفية تناولها، على أن الألفاظ وحدها لا تشكل معنى أو صورة شعرية، فالألفاظ والمعاني مطروحة على الطريق.

*بناء على ما سبق لابد أن نقرّ بأنه لا يوجد لفظة شعرية أو لغة شعرية ولفظة أو لغة غير شعرية، بل هناك لغة وألفاظ مستخدمة بطريقة شعرية، أي أن الشاعر يجب أن يأخذ اللفظ من حيث يخيّل به معنى مجازياً، لأن الشعر وحده هو الذي يستخدم المفردات استخداماً مجازياً أي متخيلاً.

فلو أخذنا أي بيت من الشعر وقمنا بفصل مفرادته بعضها عن بعضها الآخر لوجدنا أنها كلمات بسيطة عادية لها مدلولات حسية ومدركة مسبقاً، لكن اجتماعها وفق المنظومة التي خطها الشاعر جعلها تأخذ منحى واتجاه آخر.

من المؤكد أن لكل لفظة معانٍ اكتسبتها خلال تراكم الخبرات البشرية، لكن في الشعر فإن الحساسية الشعرية تجعلها تأخذ معنى مغايراً لتكوّن صورة  تلعب فيها طريقة التوظيف دورًا محوريًّا.

و في إجراء اختباري لصورة شعرية ما، حيث سنعزل إحدى مفرداتها كما في الصورة الشعرية التالية:

**سرّحت لغة جدائلها لأعياد الأغاني*

فلو حذفنا مفردة لغة من الصورة لأصبحت * سرّحت جدائلها لأعياد الأغاني* ، يتخيل المتلقي أن الفتاة تسرّح شعرها للمشاركة بالعيد، لكن إدخال مفردة اللغة هو الذي يلزم مخيلة القارئ باتجاه معان كثيرة واحتمالات يصعب ضبطها،

و لنجد العبارة قد تحولت من الصورة الشعرية إلى لغة النثر العادي.

و لعل أهم وظائف اللغة في المضمار الشعري أن تأتلف مفرداتها بطرق مختلفة لا نهائية من أجل الحصول على صور شعرية جديدة، تبتعد عن التكرار والمألوف والمبتذل الذي لا يحقق أدنى درجة من درجات المفاجأة أو الإدهاش، وللدلالة على ذلك سنأخذ مقطعا شعريا للشاعر شوقي بغدادي في وصف بيت قديم :

الجدران مقشرة

والأرض تراب

و البقر وأوساخ الحيوان

ورائحة الزمن على الباب

نلاحظ أن هذه الألفاظ لم تدخل في السياق الشعري إلا من خلال الوزن العروضي والصورة ( رائحة الزمن على الباب)، و ما عدا ذلك فهي مفردات عادية لم يستطع الشاعر أن يوّلفها صوراً شعرية مبتكرة أو مدهشة تبيّن خبرة الشاعر ومقدراته، ومع ذلك نجد أيضا أن الشاعر يختزن ألفاظا يشكل بها صوراً لا علاقة لها بخبرته أو البيئة التي نشأ فيها، بل تُعزى إلى الحالة الثقافية العامة، كاستخدام ما ورد في التوراة والإنجيل والقرآن والتراث والتجارب الإنسانية.

وهذا يدلل على أن البحث في  مسألة اللغة الشعرية هو بحث شائك ودقيق يحتاج الكثير من الصبر والذكاء والخبرة.

مجلة الملتقى

الإصدار الثالث عشر

الإعجابات: 2

التعليقات: 0

المشاهدات: 261