logo

خاطرة

محمد زادة

" حصان يتجه إلى موباتو  "

كنتُ أحلم كثيرآ ، ذات يوم كانت الأحلام ممكنة

في الأبتدائي كنتُ أحلم بان أكون الأستاذ لحصةٍ واحدة وأن أضربه على ظهر أصابعه بتلك العصى لأرى هل سيبكي مثلنا وهل سيفكر بالأسم السيئ 'وزارة الترببة '

كنت أحب صعود الأشجار لكن جدتي كانت توبّخني قائلة ' لا تصعد الأشجار إذا كنت لا تستطيع النزول وحدك '

لكنني كنتُ أصعد حتى صرتُ حديث القرويين في ' موباتو ' لم يبق أحدٌ ولم يسجل اسمه في عميلات إنقاذي من أعالي الشجر وكانوا يبالغون أحيانآ بعلو الشجر ، وحدها أمي كانت تضحك لي سرآ وتفرح قائلة ' أصعد يا أبني ولا تخف السقوط ستصير يومآ حمامة '

لم اعرف يومها بأنني احقق احلام امي في الطيران ، امي التي قضت طفولتها على تلال برمجة و تعلمت صناعة القهوة في العاشرة من عمرها ثم الطهو في الثانية عشر وفي السادسة عشر انتقلت من تلال برمجة إلى صخب موباتو وتقول أنها قطعت الخمسة كيلوا مترات على ظهر حصان اسود وصوت الطبول والمزمار وانتقلت بكلمة رجل من خانة بيت حنّان إلى خانة بيت علي آغا .

موباتو القرية العجيبة التي علّمتني معنى  الأستثناء ، كانت تحتوي على مخفر شرطة قوامه مساعد أول وعنصرين ومسجدآ  يصلّي فيه العلوي والسنّي ومقمرة يفصل بينها وبين المسجد جدار طيني هش  وكنت ترى الشيوعي حتى العظم  والبارتي وانصار اتحاد الشعب واليساريين الجدد والوطنيين والقوميين والملحدين والسكارى ، كلّهم تراهم في غرفة واحدة وهي مضافة القرية .

علّمتني موباتو اننا كنّا استثناء لكنها لم تعلّمني القفز من أعالي الشجر وحين دفعتني أمي نحو الصعود وصّتني أن لا أستنجد بأحد قالت لي وهي ترفعني ' تعلّم من عظامك والكسر لا يحتاج لأكثر من شهر واحد ' فقفزت من شجرة الجوز لأسقط في حلب وأرى الأبنية العالية خمسة طوابق فوق بعضها وأسطح اعلى من صفصاف موباتو وتلال برمجة ، امي التي لم تصعد في حياتها اعلى من كبوة حصان اسود دفعتني نحو الاشجار وقالت ستكون يومآ حمامة وسأفرح لأنك تطير من صفصافة إلى أخرى ،

ها انا اطير ايها الصفصاف البارد دون ان اتذكّر عدد الأغصان التي تكسّرت تحتي ، يا صفصاف المنافي ها انا طائر استثنائي لا يتقيد بمواسم الهجرة ، ها أنا أتكسّر واتعلّم من عظامي ان الكسر لا يحتاج أكثر من شهر واحد .

ها أنا اطير أيها العالم الصغير ، اصغر من خمّارة موباتو ، ايها العالم الذي لن يفهم عظمة تلك الرحلة القصيرة بين برمجة وموباتو على ظهر حصان اسود وصوت الطبول ، ايها العالم الذي لن يفهم لماذا علّمتنا الأمهات صعود الأشجار والطيران .

ها أنا أطير أيّها الصفصاف الصقيع  ولن أحطّ في مكان سوى على كبوة حصانٍ أسود .

.... ..

سيرة رستم الجريح . مخطوط

مجلة الملتقى

الإصدار الخامس عشر

الإعجابات: 0

التعليقات: 0

المشاهدات: 97