logo

فضاء مسرحي

رائد أبو زهرة

                                                                                                       عشيّة انتحار يعقوب

كل يوم يستيقظ الرجال في الصباح الباكر لكي يعانوا... وليس للفقير قوة تنقذه من الذي يفوقه ... تمر المصائب ... ولكن أحزان الغد ليست ماضية بعد.. الكاهن الفرعونيخع خبر رع سنب2000 ق.م

مشهد أول..

(الوقت ظهرا.. يعقوب يتحرك ضجرا..متمتما يحنق.. يضرب شيئا.. يبصق في المرآة.. يشرب من زجاجة زرقاء.. يمشي .. يتوقف .. يجلس.. يتجه نحو ركن المطبخ.. يشعل سيجارة أثناء إعداد القهوة.. يسحب نفسا و ينفثه في الفضاء)

لا.. لن أذهب.. حتى لو مت قهرا و شوقا.. لن أذهب .. أنا لا أنحني لشروط أحد..

(تفور القهوة .. يتوتر أكثر .. يشتم شيئا .. يجلس كمن سيلقي محاضرة..)

اللعنة على هذا الشيء.. لا يستقر على إسم.. حتى أسبّه كما ينبغي.. غاز.. طباخ .. موقد .. جهاز النار .. آلة النار .. معقول! آلة النار وصف معقول.. يحمل إيقاع ما أحسُّهُ ما..أحسه الآن أنه هو ما أريد أن ألعن.. اللعنة على آلة النار.. و على قصور اللغة .. لقد قلتها يوما .. من يستسلم مرة يعتاد الرضوخ.. بل و سيدافع عنه بالتأكيد.. و التاريخ حاشدٌ.. أو لأقل محتشدٌ بالأمثلة..

( ينظر في السقف.. يتحرك.. يتوقف..)

أنا لست مترددا كما يحلو للبعض أن يصفني.. إنما التأني في صنع القرار.. أنا شخصيا أرفض العفوية.. فهي لا تفضي لغير الإمتثال للسائد.. و قصور اللغة أو تقاعدها اللعين.. خير دليل على ذلك.

لست على إستعداد أبدا أن أتقاعد أو أمتثل لسائد لا يحبني..

(يتحرك براحة.. و يواصل حديثة بثقة و تركيز على لفظ الحروف..)

لست ديكتاتورا .. أجل لست كذلك.

لكن هي .. أجل هي .. بالتحديد في الأيام الأخيرة.. صارت تميل لطرح أفكارها و كأنها منزَّلة من السماء.. و حين أنبهها..كانت تندهش كيف أنني أختلف معها.. تصر على آرائِها معللة ذلك أن أغلبية الناس كذلك.. حتى أنها ذات مرة وصل بها الأمر أن قالت:" ماذا تظن نفسك يا يعقوب.. عليك أن تزور طبيبا.. أنت تهذي يا يعقوب"

قبلا.. لم تكن تعشق فيّ ثمة شيئاً أكثر من هذياني.. و كانت تسميه رؤيا! حاولت أن أقول لها .. قلت.. لا تتصلبي أكثر، لم تسمع. قلت أنت تميتين إحتمالاتنا.. قالت " أنت تدري شروطي"، لم تخجل بنت الكلب.. أنا يعقوب! أوضع في شروط؟!

 ( يمشي.. يجلس.. يرشف قهوة.. يتجه نحو صورتها على الحائط.. يتابع كمن يواصل المحاضرة)

لذلك تأتي ضرورة التأني في صوغ القرار، فكما لا بد للإنسان.. بين الفينة و الأخرى أن يحتسي فنجانا رائعاً من القهوة.. كذلك لا بد له من درس موقفه الذي يعتزم أن يتخذه؛ درسه بكل حيثياته.. أجل بالتأكيد، بادئا بآلية استقبال الآخر لرأيك,. و إحتمالية أن يفهمك بالضبط.  لا أستطيع.. بداهة لا أستطيع مواصلة الطيبة مع آخر يواصل صياغة شروطه.. حتى لو .. لن لو! لن لو! قلت لك.. ألا تفهم؟!

( تخف حركته.. و يرق صوته)

منذ إلتقينا و حتى تلك الليلة.. و أنا أردد، و قاصدا.. ما دمنا نعتبر آراءنا وجهة نظر.. محاولة فهم.. تحتمل الخطأ مثلما تحتمل الصواب.. نظل عشاقا.. أما حين نبدأ بمحاولة فرضها بكل السبل.. فرغما عنا.. تبدأ العلاقة بالتصدع.. بالتشظي.. بالردّة من العشق إلى الحب.. إلى الذكرى.. لمحاولة النسيان.

( يسكب قهوة في الفنجان)

أعرف أنني قلت فنجانا واحدا.. غريب أمر هذه القهوة.. يا أخي! ما أن أشرب فنجانا حتى أحس بحاجتي للآخر.. أظن أن جمالية المذاق في الأول هي التي تدفع للثاني.. كما الخيبة في الثاني تدفع للثالث.. كما الملل المضجر في الثالث و عجزه عن إجترار جمالية الأول.. يجعل من الحثل سيئا حد الرغبة في الإفلات منه بإعداد قهوة طازجة من جديد.. بحثا عن دهشة أولى..  

( يشرب من الزجاجة الزرقاء.. و يراقصها)

غنّي إذا .. تراقصي.. تراقصي أيتها الخمور الجميلة.. غني يا خمور الأرض نشيدك فينا.. فليس فيك حثل.. ليس فيك أول أو آخر.. ليس من سوء فيك غير جوعنا.. فغني و غني و غنينا.

(يتنهد بعدما يمشي دون إتزان)

أشعر بأشياء كثيرة تزدحم اللحظة.. إنهاك .. هيول .. وضوحات تباغت قوة الضعف في ضعف القوة.. أشياء لا تحد.. أحس.. أتقرب مني.. أتداخل بي.. رويدا رويدا و أجهدني بالوضوح.. أصغي.. إيقاعي الداخلي يلامس التفاصيل كلها، يريد أن.. يقولها جميعا.. لكنها اللحظة بنت الكلب.. لا تسمح بأكثر منها.. ليس المهم لو أشاهد ضاحكا أو باكياً.. المهم هو الوضوح.. أن أشاهدني واضحا دون بذل مجهود .. أن أراني.. لا يهمني كيف يتجسد إنفعالي ضحكا.. بكاء.. جنونا.. او هذياناً، فهذه ليست سوى تسطيحات لحظية لمنسوب إنفعال غامض، و قد تخطئ في تجسيد الحس الداخلي.. ثم هي تنسف إنسيابي.. هل شاهد أحدكم ضحكا آزر دمعا في لحظة.. كأني الغريب.. ماذا يسكنني ، أي شيء هذا الذي أراه وحدي؟ غريبا كالحب صرتُ. أيكون هو الحب ؟! لعله إغترابي! لماذا لا أستطيع وصف حالتي؟ لماذا لا أستطيع الدفاع عنها؟ يحيا الحب.. لماذا لا يفيض العالم بالمحبة؟ بالشعور الطيب.. بالحس الفطري..

( إنفعال مباغت..)

- ماذا يا يعقوب..

- لا تُنادِني بإسمي.. لا تقل الملكية و وسائل الإنتاج.. لا تبرر.. فأنا أسألك عن الحب.. و أعرف كل الذي تود قوله.. ستقول بأنني جبان و ضعيف.. و بديهي أن ادافع عن قانون الحب.. لأنني حتما خاسر بقانون القسوة، ألا تريدُ تريد قول ذلك؟ لا أعرف من أين لك كل هذه التفاهة و الغباء.. أرجوك عندما تحس غباءك واضحا.. إخرس.. و حاول أن تسمعني جيدا.. إنتبه لسؤالي.. سؤالي عن الحب.. حسناً.. حسناً.. لا تَبْكِ.. كما شئت.. ربما أنا جبان أو لنقل خوّاف.. و تستطيع القول أنني نسيت قوتي.. أضعتها في زحمة الأشياء.. أو لَعليّ

أمضي نحو (.........) و تريدني أن أتذكر ؟! أليس كذلك؟ حسنا سأتذكر..

 (يحمل شيئا و يضرب به الحائط)

لن أتذكر.. أتسمع؟ لن أتذكر,., لن,. لا أريد أن أتذكر.. و إنصرف.,.

( يجلس.. يدخن.. يرفع الزجاجة.. و لا يشرب منها.. )

سأقرأ.. أجل سأقرأ.. ليس لأني لدي رغبة بذلك.. لكن كي لا أصاب بشيء آخر,., ففعل شيء ما يعني عدم فعل الأشياء الأخرى.. سأقرأ لا على التعيين..

( يتناول كتابا.. يقلب أوراقه.. يغلقه بهدوء.. و يمشي بإسترخاء و توازن.. )

هل تؤمن أن الفرح.. هو ما ينبته أحد ما في صدرك؟ تؤمن أليس كذلك؟ أنا أيضا.. أظل أفتش في الآخر عما فيه من روعة.. ألاعبها و أراها تكبر في الآخر فيندفع نحوي.. و أندفع نحوه.. و ندفعنا نحو الحياة.. لكنها .. أجل سناء.. تحديدا تلك الأيام.. لم تأبه بي .. أو.. بل كانت تصد كل محاولة مني للكشف عن طيبها..

 ( يغص)

ما بي..! لماذا أنساق إلى الذكرى.. ينبغي ألا أتذكر..

( يقرأ في الكتاب ثم يغلقه بهدوء)

ربما هي الآن.. في وضع أفضل مني..

(ينهض متذكرا مع الحركة و الإيماء)

أتخيلها.. في تلك الوقفة .. في غرفة الدرس.. تسند كوعا أيسر إلى (السبورة) ترسم بالطبشور صورا.. شعرا.. تغني وتزرع فرحا.. في مهج الأطفال.. تكسر النص المدرسي الغبي.. تفتح أفقا للأطفال المحرومين.. أذكر مرة حين حضرت حصة في صفها.. شاهدتها كيف تفعل ذلك بروعة.. قلت لها بصوت مرتفع "بحبك يا معلمتي"  بكت لحظتها.. صفق لنا الأطفال و غنوا لنا .. أجل غنوا لنا.. ما زلت أسمع صوتهم يدب في شراييني.." يا معلمتي .. يا معلمتي .. إجا الذيب.. إجا الذيب.. إجا تا ياكلنا.."

تلك الليلة.. حاولت أن أرى روعتها دون إصرار منها على الرحيل.. حاولت و حين صرخت.. أجل صرخت كثيرا.. حين صرخت.. أحسست أن شيئا لا أعرفه يصحو.. حدقت في عيونها.. كان دمعا.. حدقت أكثر.. كانت تقول إنّي كلب و قذر و حقير.. أحسست أني المتسبب في أخطاء العالم.. حاولت أن. أعتذر عن أي شيء.. فقط لأخفف حدة نظرتها إليّ.. أدركت أن الإعتذار سيقتلها.. كان ثقيلا كجبل رغما عني ارتكبته.. ذاك الصمت. تلك اللحظات الصغيرة..كانت كموت.. كموت أشعر به أكثر من أي شيء حتى اللحظة...

( يفتح الزجاجة بعصبية.. يشرب بعنف..)

- قلت لك يجب ألاّ أتَذَكّر.. لا أحتمل التَذَكُّر.,, فالليلة أنا سعيد..

- لا.. أنا يعقوب من سعيد هذا؟

- أقصد فرح جدا..

- ها.. ها.. ها.. فرح جدا هه..إخرس..

- أقصد أني..

- قلت لك إخرس.. سعيد ها.. و لما أنت سعيد؟

- سعيد لأنني ..

- قلت لك إخرس.. ألا تفهم..

(يتوقف لحظة ثم يمشي بترنح أقرب لرقص إيمائي)

ربما أحس اللحظة فرحا.. إنتشاء خمريا يوازنُ ما لا يُوازنْ.. ربما ليس كذلك.. ربما حياد لحظة.. أحس كأنني (أوتنابشتم).. و أرقب ما يحدث.. و أقول لجلجامش لا تطلب الأبد.. لا تطلب خلود الجسد يا جلجامش بل أبدية المعنى.. أحس..  أرى.. أسمع.. أحكي.. أمشي.. أبول .. أبكي.. أتبرز.. لكن بلا مذاق.. لا أميز شيئا عن آخر.. أحس كأنني لا أفعل الأشياء.. أحس أن الأشياء تفعلني.. و أنا (.................)

أحيانا.. أكاد أراني.. و أرى الأشياء تنساب فيّ مهرولة.. تكتظ في خواءاتَي.. يتعكر صفو الوقت.. أندفع إلى ضجري.. أسألني تلك اللحظات.. ماذا أكون و من أنا!؟؟ لا أحتمل كوني ابنا لزمنين..

أيها الرفاق.. إقبضوا على الأشياء.. إقبضوا على الزمن الخاطئ.. أحضروهم هنا.. هذي الليلة لي.. وحدي أمتلك الليل.. وحدي من يخلق زمنا مضادا لزمن رديء.. لذلك أنا سعيد.. و أستطيع في أي لحظة أن أكون سعيدا أو كئيبا.. لدي ذاكرة تحويهم جميعا.. وتحوي أكثر من إفتراضي عنكم.. لذلك سأغني و أرقص أيضا.. فالرقص.. أو الركض .. يدفع الذات نحوها.. يوائمها معا.. لتستريح قليلا.. يجعلها ليست غيرها.. ما أحلى أن أكونني.. فقط.

( يدخل في كآبة)

هذا لا يعني أبدا عدم الحاجة للآخر.. أستطيع إن شئت.. أو إضطررت أن أصنع لي كونا بدقيقة.. لكن ماذا أفعل بكون لي وحدي!!؟ ماذا من غير ما أحد يوقظني بالحب و بالقهوة و صباح الخير.. أجل أحتاج أحدا غيري.. شخصا يصغي.. على الأقل يصغي .. يشاركني.. كثيرا ما شاركت الآخرين.. كثيرا ما أحببتهم.. مدير الدائرة حين يغضب الموظفين و روتينهم.. فراغهم المقيت.. الباعة في الطرقات.. صراخهم.. الفوضى.. الغباء.. الضجر.. الزيف.. الجهل.. التخلف.. الفراغ.. أطفال الأرصفة..

( يتنهد و يضرب شيئا)

أطفال الأرصفة أكثر ما يشعرني بالقهر.. صرت.. أهرب من صدفة رؤيتهم .. لا أطيق أن أرى عجزي.. اللعنة على من.. يجبرهم على الإنحراف.. اللعنة على الوقاحة.. و بكل سفالة يأتي بعد ذلك يريد أن يحاكمهم.. كيف له أن يحاكمهم على خطاياه.. أي قانون هذا ومروان كذلك.. و التاريخ كذلك.. لم أعد أدري أهو مُزَوّرٌ.. ملونٌ.. مَؤوَّلٌ.. يتغير بتغير السلاطين.. كأنه سيف نُحارَبُ به... سأظل أمقته حتى يتضح.. حتما.. سيصير.. يكفي.. لموقع قدم أمشي بها مطمئنا نحو ما شاءت رغبة القمر.. و.. زهرة.. زهرة.. زهرة.. زهرة ...

( يصرخ بإسمها.. يركض.. يدور.. و تدريجيا.. يتخذ وضع الجنين على الأرض)

برغم أو بمحض إرادتنا تجئ.. تحاول ترفض.. تتأخر في المجئ.. هي لا تدري أين تجئ.. رحم يرفضها اللحظة و كون سيرفضها غدا.. هي لا تعرف و أكيد لا تحب أن ترغم.. شفاف إلا مما يمكن أن نحكي.. الكون مخيف و لعين. حشرجات الخوف في صدرها تدوي.. دبيب قلبها الصغير يفضح الهلع الذي فينا.. أي كون هذا يا مروان.. أي حياة هذه.. أي بشر صرنا.. ما هذا السخف.. أي قهر سنظل نسكت عنه.. لما تهرب يا مروان؟ و بالضبط في الوقت الخاطئ.. في اللحظات التي أكدت لنا فيها.. ضرورة التحدي و التشبث في المكان.. و غنيت معنا لإعتراض الخيبات.. و الزمن الخاطئ..

هربت!! رحلت!! لماذا رحلت يا مروان؟؟ لماذا كلكم.. ترحلون.. إلاي.. لم أرحل!؟ ربما.. لم أستطع .. لم أشأ .. لم أرغب..

( يجلس منهكا)

أحسني.. عطشا.. يابسا.. لا بد من الماء...

( يذهب بإتجاه الحمام)  

مشهد ثاني..

( يعقوب يخرج من الحمام.. يأخذ بترتيب الغرفة و صنع القهوة.. بالأثناء يحاور صورة صديقه مروان..)

- حسنا يا مروان.. كثيرا ما تألمت لأجلك.. و الآن..

- ......

- لا..لا.. أبدا .. لا أحاسبك.. و لا أتمنن عليك.. لكن فعليا.. وقفت جوار حزنك.. حين تهالكت.. كما أني لا أذكر أنك وقفت معي ولو مرة واحدة..

-......

- لم ترني تعبا لأنك لم تكن ترى غير تعبك.. في لحظات هلاكي كنت أجبرني على التخفيف عنك.. كما عن غيرك.. لماذا.. لماذا لا تقف أمامي الآن؟ هل ترى؟ ها أني.. أحتاجك رغم إختلافي و سخطي عليك.. ها أنا في أقسى حالات الضعف والهوان.. فرصتك الذهبية الآن.. تعال و مارس كبتك..

-....

- أبدا لم أكابر.. كنت فقط أخجل أن أعلن تعبي..

-....

- لماذا لا تستطيع.. ها؟ قلت لك أني وحيد.. وحيد.. أتدرك ذلك يا مروان ..

-....

-أعرف أنك تعب و مرهق و محبط كذلك.. و مهدود أيضا.. لكن من السبب في ذلك.. أتقدر أن تحكي؟

-....

- حسنا.. حسنا.. أنا خياليّ و حالم و أريد الأشياء بأجمل ما يمكن.. الخلاصة.. أنت تعب بسببي.. لنقل ذلك.. و لكن أنت.. أجل أنت.. ماذا تريد.. تريد الحياة كما هي.. وجدنا فيها وعلينا أن نحياها بعفوية.. لا بأس.. لكن.. هل فعلت أنت ذلك.. لماذا تسافر إذا.. أليس لأنك ترفض هذه العفوية.. قلت لك ألف مرة.. السفر و حالتنا هذه هو بحث مخطوءٌ عن الحياة.. و قلنا مرة أن علينا تلمس موضع الداء.. و قد فعلنا.. لكن لم نسع معا للعلاج.. لم نواصل إستئصال الداء.. أنت هربت .. و هم هربوا.. كلكم هربْتُمُ.. لماذا؟ أيها المشطورون.. لماذا؟ أجل.. كلكم مشطور و كلكم مسؤول..و كلكم متاهة..

 (يجلس)

لماذا نحيا بتلقائية.. أو نسافر.. لماذا ليس لنا إلا أن ننساق إلى الهزيمة.. أو نهرب من المعركة..

 ( يتمدد على الأريكة)

نعم هكذا هو الأمر.. أنت خنت المعركة.. خنتنا جميعا.. و أجرت للعدو طلقتك..

 ( صوت رصاصة.. و صرخة جرح.. )

و إبتعدت.. و أنا.. (ينهض كجريح مخذول)

لا أعرف كيف حملتها.. حملوني الرايات البيض نظيفة.. كنت أبصق في داخلي و أنا أراها محمولة عليّ أو محمول بها.. حاولت أن أفلت منها.. و مني.. كانت شديدة الإلتصاق.. كانت نقاء واحدا راياتنا.. نقاء كريها راياتنا.. بياض.. إستسلمنا لعدو بشع.. عدو يستمد قوته من ضعفنا.. من لحمنا.. من زيتنا.. من إنهزامنا الداخلي.. و إنسحبنا.. إنسحبنا جميعا.. و كي نخبئ ضعفنا.. و هزيمتنا عن أولادنا.. غنينا.. أجل غنينا.. أجل كان بمقدورنا أن نغني.. لمجد قديم لم نره.. كنا نغنيه وكنا المجد.. كنا نقفز عن حاضرنا.. و نحلم بغد غباش.. غنينا النصر الوهمي.. لأطفالنا.. بيضاء الراية بيضاء.. لم نكتف أننا نهزم سلفا.. زدنا قهرنا.. سحقا.. ألفنا لهم كتب المدارس و أجمل الألوان الأبيض و بيضاء الراية بيضاء.. فماذا للأسود يا مروان.

 ( يلتحف قطعة قماش سوداء)

ماذا للرمادي يا مروان.. ماذا للأسود.. أيها الدجاج.. الأبيض.. قولوا .. إعترفوا.. (كاكوا) سنفعل (كو كو كو كو كو كو) و لكن في الوقت المناسب..( سنكاكي) و نبيض نصرا.. غدا.. و في كل عام.. في كل ذكرى بياض.. في كل ذكرى إنكسار.. نغني .. سنفعل.. و لكن في الوقت المناسب.. و بعد الهزيمة المناسبة.

 ( يضحك.. بهستيريا.. بكاء.. يتحرك حتى يصير وجها لوجه أمام صورة سناء)

كم كنا سنحقق أشياء كثيرة معا.. لماذا هربت؟ و أنا ما زلت.. أفتش عن راية سوداء قاتمة.. لا.. لا.. أنا أنتظر أن أفعل الواجب المقدس.. في الهزيمة المناسبة.. إرحلوا جميعا اذا.. لا تنتظروا شيئا.. فلن تجدوا هزيمة تلائم صحوكم.. أنا سأنتظر.. لماذا أنتظر.. أنا لا أحب الإنتظار.. أنا أعترض.. على الأشياء حين لا تفضي لشيئ.. أعترض على الهلمجرا.. أعترض على الهكذا.. و على الدواليك.. و على الإلخ.. إلخ.. أعترض على أشياء كثيرة فلا يعقل أن أستحق كل ما يحدث لي.. حتما لم أكن أستحق.. كان عليها أن تدرك أنني في وضع سيء..

- و متى كنت في وضع جيد؟

- لم أفعل ما يستوجب النتائج.. مجرد أن نسيت إحضار الخبز.. زعقت بوجهي.. كادت تتفجر و هي تزعق.. و كدت أختنق.. حاولت أن أهدأ.. حاولت أن أفهم.. لكنها واصلت تماديها.. و سبابها.. حتى شعرت.. أجل شعرت.. أن المسألة.. مسألة كرامة.. ما كان يفترض أن تزعق في وجهي.. متحضر أنا.. أجل.. لكن الكرامة مسألة  غاية في الخطورة.. ثم أنني تحملت الكثير.. على الضد من ذلك.. كنا نستطيع لو شاءت.. كان من السهل حل المشكلة في غاية الهدوء.. فالمخبز لا يبعد عن البيت كثيرا.. كذلك.. كان الشوق.. كنت أحس بكلينا.. يحترق شوقا.. أجل.. رأيت ذلك.. كان كل منا يود لو يحضنه الآخر مختصرا كل السخافات..

-....

- هل فعلا كنت في وضع سيء يا يعقوب؟ 

- أتذكر ذلك..

- و ماذا عنها؟ ألا يحدث أن تكون متوترة.. قلقة.. ضجرة.. أليست بشرا..

- آه.. ربما.. أجل.. لا أدري.. لكن.. ما..

- لِمَ تحرص على حالتك النفسية و تصدقها جدا.. ألا تدرك أن لغيرك أوجاعا أكبر من كونك هذا!

- أيعقل؟! هل أنا ؟ هي.. أيعقل لم تكن؟ كنت.. هل؟ لا!

 ( يخلع أرديته)

أحس برغبة في البوح.. . أوذ ... أحكي.. لا أخبئ شيئا.. صدقا لا أخبئ..

- إذا..

- إذا ماذا؟

- هل؟

- هل ماذا؟

-لما لا أذهب؟ على الأقل.. لأجل زهرة.. لما لا أكون عادلا مع طفلتي... نحن من أرغمها على المجيء لهذا الصخب.. لهذا السؤال.. لماذا لا أهتم بهذا النشء الغض.. لماذا لا أحتمل أكثر.. لعلها تغفر لي زهرة.

 ( يخرج.. متمتما بزهرة)

مشهد ثالث..

(يعقوب يدخل من بين الجمهور.. مضطربا .. محدثا نفسه)

كان يجب أن تأتي.. من أين لها هذا الوجه المتحجر.. كيف أردفت تلك البسمة الشامتة.. من تلك؟ ليست سناء.. أكيد ليست سناء.. أترى سقطت؟ اللعنة.. ما كان يجب أن أترك زهرة.. كان عليّ أن آتي بها معي.. أستطيع الإعتناء بها.. أولست أحبها! و هل أحد في الكون يحبها لذاتها سواي..؟ هل أحد سيقاتل موتا لأجلها.. و لأجل حريتها سواي؟

- و هل تحتاج زهرة للحب فقط؟! هل سمعت عن أحدٍ يحيا بالحب فقط؟ ماذا يا يعقوب.. قل قولا معقولا.. هذا زمن يحتاج لما هو أكثر من الأمان و الأحلام..

- يا أخي أنت تزعجني.. كلما أحسستك تفهمني.. و حدثتك عن الحب و عني.. تأخذ بإلقاء المحاضرات على مسمعي.. وتُصرّ أن تعلن سخفك و غباءك .. إسمع.. إنصرف.. أجل إنصرف دعني و شأني.. لم أعد أحتملك..

- .....

- أنا لست معقولا!!!! ماذا كان عليّ أن أفعل..أأتركها تفعل بي ما شاءت لأصبح معقولا.. أأرضخ لشروطهم كي أكون معقولا.. تأكد لن يحدث ذلك.. لن أكون معقولا.. لن أنهزم.. لن أكون واقعيا.. لن أنهزم... سأحاول أن أحلم.. و سأحلم.. أنا لا أحب الهزيمة.. أنا أعشق الحلم..

 ( يتفاجأ بصورة مروان على الأرض أو أمامه)

- أنت!!.. ماذا تفعل منبطحا...

 (يرفع الصورة قبالته على كرسي)

لا بأس عليك.. أيها الأبيض.. أوه.. لماذا تتذمر دوما.. حسناً .. حسناً .. لا بأس.. أعلم كم تعاني مغتربا.. و أعرف أكثر عن خوفك.. عن هلعك.. و أعرف ما العزلة.. لكني نصحتك.. لماذا لم تصغِ.. أتعرف لماذا أعاتبك.. ليس لأنك سافرت.. إنما لأنك تفعل أشياء لا جدوى منها.. مثلا.. ماذا ستجني من وراء السفر.. المال.. أليس هذا هو دافعك للسفر.. لكن.. ألم تسأل نفسك..ماذا ستفعل بالمال.. سيمضي بك العمر سريعا.. و تصير هرما دون أن تلحظ.. وتشيخ روحك دون أن تلحظ. هل سيعيد إليك المال شبابك؟ صوتك؟ رغبتك الملحة في العيش؟ أنظر.. أنظر في كل إتجاه.. هل من أحد سار بهذا السفر و لم يشخ؟؟ إنه العطب السريع.. لقد قلت لك .. حدق .. تأمل فقط.. أنا لا أريدك أن تصدقني لتتعظ! أنا أريدك أن تفهم.. آه لو تفهم.. لكن آه، يبدو أنك لن تفعل. إجمالا.. أتمنى لك تحقيق ما تصبو إليه بأقل الخسائر.. البدلة البيضاء النقية.. جميل أن ترتدي الراية بدلاً من أن ترفعها.. ثم أنك تحب أن تكون مرفوعا.. أم أنك نسيت المظاهرات و صوتك المجلجل؟!

 ( يجلس بضجر)

هل كان بمقدوري أن أحتمل أكثر.. لا لم يكن بمقدوري.. كان يكفيني أي شيء لأنفجر.. لكني فيما بعد إحتملت سخف الجالسين في المقهى..

- كان بمقدورك إذا أن تحتمل

- و ماذا لو..

- إذا أنت المخطئ.

- ربما.. حتى لو كنت كذلك.. كان عليها أن تقدر إنفعالي.. كان بوسعها أن تسأل بهدوء، ثم أن المسألة لا تقاس هكذا..  إن كان بمقدوري أو لم يكن.. لكن وا أسفاه يا مروان، ربما ما كان يجب أن ألتقيك.. لأن من ألتقيهم يعيشون في صدري طويلا.. و أنت تفعل ذلك الآن.. تحيى معي كهزيمتين.. لا أستطيع إستئصالك، كما لا أستطيع معالجتك.. كألم مزمن أنت.. كهزيمة مزمنة.

- ما بك يا يعقوب؟

- لا شيء..

- سناء ليست سيئة تماما..

- لم أقل ذلك..

- إذا.. أنت ما زلت.. هل ما زلت؟ أو أنت حقود؟

- أنا! فعلا.. و ليس هذا فحسب.. بل تافه، و حقير.. و حذاء.. و كل شيء.. ماذا تريد أيضا من يعقوب؟!

- أنا لم أقصد..

- بل تقصد.. كلكم تقصدون.. منذ إبن منظور الأندلسي.. حتاك يا مروان... صدفة.. قصد.. نيات حسان..

- يعقوب أنا..

- يلعن أبوك على أبو يعقوب..

- أنا لم..

- بلى تقصد..كلكم تقصدون.. ثم تؤولون للنية الحسنة و العفوية.. و اللاقصد.. و سناء.. سناء يا مروان.. هل ستقول لي بأنها لم تقصد؟ حسنٌ.. سأكون غبيا و أصدق.. لكن تلك الليلة و هذه الشهور.. و مطلبها.. و شروطها.. وتغيير المسكن يا مروان..كل ذلك بدون قصد؟! أم ستقول لي صدفة.. أليس كذلك؟

ما به المسكن؟ ينقصه الكثير.. أعرف ذلك.. أنا أكثرمن يعرف.. و دواخلنا العفنة.. ألا ينقصها كل شيء؟ ماذا تبقى بصدورنا غير العفن.. لماذا فقط نهتم بالقشور؟ لا تبرر.. إحذر أن تبرر.. سناء ليست صغيرة لكي يؤثر عليها أبوها الجشع.. أو أمها.. أعرف علم النفس جيدا.. أعرف عن إحتواء الإنسان لمفردات لا حصر لها.. و عن ذاكرة تتلعثم فيها الأشياء.. أعرف عن المكنونات و المكبوتات.. أعرف أن الواقع الحدثي يدفع أحيانا نحو نزق الفوضى.. و أعرف أن الكائن أحيانا ينقلب إلى ضده.. و يحكي فقط ما لا يريد.. و ما من أحد إلا نتاج هذا.. لكن ماذا بعد..

-.....

- ماذا؟ العلم يبرؤها و لا يحاسبها؟ إنصرف.. يلعن أبوك على أبو هكذا علم.. علم غبي، يدفع للإباحية..للا شيء.. للا قيمة.. ليؤكد فقط نتائج.. يريدها مسبقا.. لتحقيق قيمته الوحيدة.. علم غبي غائي.. سخيف.. إنصرف أنت و علمك هذا.. إنتظر.. إنتظر.. خذ غباءَك معك..

-....

- حتى لو كان الفرد نتاج ما حوله.. و ما فيه.. فليس معنى هذا أن تلغي القيمة.. لماذا إذا نعشق الأغاني ونعشق الصور.. و الشجر.. لماذا اذا لا نقول أي شيء عن أي شيء .. لماذا اذا نقول.. لماذا كل شيء اذا.. سحقا.. سحقا للمغص.. يبدو أنني أكثرت من القهوة.. لأستلقي، لربما إرتحت قليلا..

 ( يتمدد على الأريكة)

مشهد رابع..

( يعقوب جالسا كمن يتذكر)

و الآن يا يعقوب.. ماذا يجول في خاطرك، قل ما تريد. ما تهوى.. لا تخف .. لا توجد أوراق.. لا آلات تسجيل، لا مخبرين.. و ذاكرتي آخذة بالإنهيال..

 ( يتهيأ للتنفيذ.. يمشي بإتزان متهدل)

غريب صار هذا العالم.. ضيق، يعج بالأوجاع و الأوساخ.. بالخيبة.. يحوي كل شيء، كل التضادات.. للحد الذي تمنعني إحداها عيش الأخرى بهدوء.. أدري لست وحدي من يعاني.. يكفي أن أرى طفلا يعمل حتى أدرك أني لست وحدي.. لكني خسرت الكثير..

- ماذا خسرت..

- الثورة.. المرأة.. الطفولة.. الحلم.. و لا أرى في حاضري.. غير حائط من الوحل.. أدري ثمة أطفال بلا طفولة.. أدري أبالغ بأمري..

- ماذا ترى من أمرك.. غير أنك تضيف لتاريخنا.. هزيمة أخرى.. أي هالة ترسمها.. حول مشكلتك.

-....

- لما تصمت..

- فعلا لما أصمت..

- لأنك بت تدرك.. أن مواصلة البوح.. تسقط هالاتك.. و تعريك أمام الجميع..

- لا .. لا .. مهلا.. رويدا قليلا.. مهلا دعني أتذكر.. أحس أن ذاكرة بحجم الأرض.. ستنساب الآن! أحسني سأقول أشياء.. أنا ذاتي سأدهش بها.. ياهْ...  كم أحمل من تاريخ.. آه أيها الرأس كم أحسك أو أحبك.. لكن ليس في الرقص.

 ( يصمت يتراقص.. يتمدد)

- ياه. ما هذا الثقل الرازح على صدري.. اتعلم يا (........) صحيح ما هو إسمك..

- أنا يعقوب و أنت..

- لنقل صابر.. أو ناصر.. ما رأيك بناصر.. جميل.. أليس كذلك يا ناصر....... أتعلم يا ناصر.. في هذه اللحظات أحس بصفاء فذ.. أشعر برغبتي في التحدث، ماذا لو تحدثنا في ال.......! ما رأيك أن نجرب ال....! السياسة مثلا..

-  لا يا يعقوب.. هذا ليس وقت السياسة..

- لا تتهرب يا ناصر.. واجه، السياسة مهمة جدا في ال......! أتدري يا ناصر.. أحيانا أظنني حكيما.. بطلا أسطوريا.. شيئا ما خارقا نافذا.. يملؤني تماما هذا الحس.. أحيانا.. فأصير سعيدا، أقصد فرحا.. و أحيانا أخرى، أشعر أنني أعجز من فراشة، و أغبى من حمار..

 ( يغني راقصا.)

أعجز من فراشة و أغبى من حمار...  أعجز من فراشة و أغبى من حمار...

أدري أنك مندهش مما أقول.. و أخالك.. تحرك رأسك يسرة و يمنة..تستغرب حالتي.. و كي أكون واضحا و صريحا معك.. ولا تقول بأنني معتوه أو مجنون.. سأبتعد عن التخيل.. ما رأيك أن نفتتح حوارا.. بسيطا.. في عمر الإنسان.. أجل.. أجل .. في الزمن...أتعرف كم هو عمري يا ناصر..

- عمرك بلا شك طويل.. قد تكون في الأربعين.. لربما في الخمسين.. المهم أنك لا تبدو صغيرا..

- أجل ؟..لربما لست صغيرا.. لكنني لا أصدق شهادة ميلادي.. أشك في قدرتها على التعبير عما يمضي من العمر.. ألا أبدو لك أكبر من ذلك.. ما عشت من مآسي.. من خيبات و هزائم.. زمننا.. البطئ.. و البليد، و التافه.. كانت الساعات دائما ثقيلة.. ألا يبدو هذا أكبر من كلماتنا عنه.. ناصر! ألا يبدو كأن عمرنا.. هو بالضبط ذاكرتنا.. أنت توافقني أليس كذلك.

- أوافقك.. لكن..

- لكن ماذا .. كعادتك ستطلب مني ألا أستسلم للذكرى.. أدري أن الذكرى لا تحمل ما يكفي من فرح.. بينما تحتشد الأحزان..الخيبات.. في لحظة تعب واحدة.. أدرى ذلك جيدا.. أنا من قلت أن الفرح لا يُحْملُ على الذاكرة.. قدر ما يحيا في اللحظة..

- ....

- ماذا..

- تفاءل يا يعقوب..

- أتفاءل يا ناصر...!!؟ حسنا و لو أني بدأت أشك أنك تفهم.. كأنما أنت.. بل أنت غبي يا ناصر.. إسمع.. لماذا لا نتذكر معا و نتفاءل معا.. هيا.. ابدأ العد على أصابعك العشرين.. و إعمل العمليات الحسابية اللازمة.. ثم أعلن النتيجة وحدك.. أربعة حروب.. أربع هزائم.. و لم تعتبر مناسبة.. أربع أوسمة.. أربع سنوات في المعتقل.. وسام مصادر.. فقدان سناء.. فقد زهرة.. و هذا الإنوحاد الشنيع.. و الأشياء التي أتذكرها الآن.. ها.. ما بك يا ناصر.. لما تكتئب.. لماذا لا نتفاءل أيها الغبي..

-.....

- ماذا؟ أنا أحاول سحبك للسياسة..أبدو مشوشا؟ أبدو مهزوزا حين أحكي في السياسة..؟ أنا؟! أنا غبي في السياسة؟

-  السياسة ليست للشعراء يا يعقوب..

- أنت تقول ذلك يا ناصر.. ؟

- أجل..

- كيف..

- دعنا من هذا.. لنحكي في مشكلتك.. يا يعقوب.. بعيدا عن الحرب..

- الحرب! الهزائم! لماذا حاربنا يا ناصر..؟  ! لماذا حاربنا يا ناصر..؟ ! لماذا حاربنا يا ناصر..؟ أشعر شعورا غامضا.. أشعر أننا حاربنا من أجل أن نُهْزم.. من أجل أن نُحْبط و نُذل..

- ....

- لماذا حاربنا إذا.. هل حقا ثمة شيء فعلناه يدعى حربا.. حرب.. معركة.. أزيز رصاص.. دوي مدافع.. قنابل.. طيران.. صرخات.. قتل.. ليل و عويل.. أطفال تتناثر أشلاؤها في الطرقات.. و موت كثير.. كثير.. موت لا يحد.. و ما من متسع لنبكي على القتلى.. لا.. لم تكن حربا.. الحرب هي الآن يا ناصر.. ما تراه.. ما أراه.. ما يتكثف في الصدر حين نلعن ضيق الكلمات.. حين نرى الأشياء كما لو أنها أول مرة.. و تدهشنا حقيقتنا العارية..

- .....

- إلى أين يا ناصر..؟ يبدو أنك ترحل ..إبقى يا ناصر.. لا تتركني.. أدري أني لا أتلملم.. لا أترتب.. لكن لا تتركني.. أعرف أني فوضوي و كلب و تافه.. و ما شئت..

-.....

- حسنا نعود لما بدأنا.. أين وصلنا؟ آه.. قلت بأنني أبدو كبيرا.. و أحسني هرما و قاربت على الرحيل.. و تجيء الحياة فجأة.. زهرة.. كما العشب أخضر في يباس الروح.. أحسست كما لو أنا المولود.. صرت ألعب.. أبكي.. أقفز.. أضحك.. أموء و أنطنط.. ألاعبها.. أدغدغها.. أغنيها.. حتى إندهشت مني.. من هذا العشق الذي لا يخف و هجه، و فجأة كذلك سرقت.. أريد أن أرفع الأوسمة عن صدري.. أريد أعلن ثانية.. أنا ضد الإنسحاب.. لا أطيق الحروب المفتعلة.. فقط أريد زهرة.. أتفهم؟

- ....

- أين تذهب إذا.. لا تتركني.. لا تفعل يا ابن (......)

 ( يركض.. يتعثر .. يسقط..)

مشهد خامس..

( ينهض ببطئ و تمتمة)

ماذا يحدث لي.. أتعثر أدوخ كثيرا.. بالرغم من أني .. أشرب الماء المحلى.. و القهوة.. و الكحول.. و أدخن.. صحيح لا آكل جيدا.. لكني آكل.. ليس كثيرا.. لا أستطيع أن آكل و أنا متوتر.. لا أستطيع أن آكل و أنا أحس بالطعام كواجب مدرسي ممل..

 ( يكون قبالة صورة مروان)

و أنت.. يا صديقي اللدود.. أتذكر كم قلت لك أنك تحلم بوصول سريع.. أتذكر؟ كلما كنت أواجهك بعريك.. كنت تغافلني و تسافر.. تُقبلني و تسافر.. لكن هذه المرة..لا.. الصورة لا تمشي.. أنت أسير الإطار.. و الآن سنحكي.. ولو بالرغم عنك.. إنتظر لا تبدأ.. هنا أنا من يقرر كيف تكون الأشياء..

 ( يرتب الجلسة.. يجرب الحركة بين الأشياء، يجلس.. و قد غمره حس بالإنجاز.. )

قُل يا مروان.. قُل كل ما تستطيع.. فتش فيك عن براءتك إن شئت.. إياك فقط أن تدعي أو تكذب.. إبتعد عما ليس فيك..

- ....

- أوه.. نعم.. أنت حزين هنا.. لا تطيق العيش.. حسنٌ.. لكن، هل بمجرد بأنك مللت من بعض الروتين و الفراغ.. و أصابك الإحباط كذا مرة.. هل بمجرد هذا يتقرر السفر..

- ....

- أجل.. لكن العمل هنا لا يأتي إليك.. بل أنت تذهب إليه راغبا و باحثا و طالبا..

- .....

- أدري أن هذا مميت.. لمن هم في رهافة حسك.. و أدري أن هذا إستثناء بسبب ظروف واقعنا.. و سيزول حين نشاء..

- ....

- مروان... قلنا الكثير عن هذا .. نحن في واقع مختلف.. و لا مجال للمقارنة بهذه الفجاجة السخيفة.. منشأنا مختلف.. طعامنا مختلف.. لغتنا.. سياقنا.. مذاق خبزنا.. تفكيرنا... حسنا.. تاريخنا..

- .....

- لسنا بأفضل منهم و لا هم بأفضل كذلك..

-....

- مروان! نهضة أولئك.. تقدمهم.. إتزانهم النسبي.. لم يأتِ جزافا.. ثمة تاريخ، لا تنظر في النتائج لتمرير إحتياجك.. أنظر في قعر الكأس.. أخفض عينيك قليلا.. حدق في التحت.. ربما سترى شيئاً

- مروان...! إذا كان كل منا سيهاجر بعدما يقرأ كتابا في حقوق الإنسان و آخر في الانئزام النفسي.. فلماذا نسب رداءة الواقع..

- ....

- مروان! لست أعني أنهم أفضل.. ثم لا تنسى أنني أعلن دوما أنهم يعيشون على حسابنا.. فرفاهيتهم التي تجلها و حقوقهم المدنية معادلها الموضوعي.. تخلفنا.. و فقرنا.. و قهرنا...

- ....

- أجل.. ندرك ذلك.. لكن بعد لم نبلور رؤيا نمشي إليها.. إنفعالنا الحاد سيقتلنا... عشقنا لإجترار الخيبة يهلكنا.. البحث عن السهل أهلكنا يا مروان..

- .....

- في هذا معك حق.. و على صواب أنت.. نتعرض للإحباط المبكر.. و قلة الفرص.. قلة الأجور.. الإضطهاد اليومي.. القمع.. و رداءة الأمكنة.. و الكثير الذي لا يحصى.. لكن.. لما تجعل من الإبداع في مكان آخر.. مبررا للسفر؟ لا تكرر ما قال صاحبك الغبي " من يقدرني أعطيه ما لدي" نحن لا نتعامل مع شخص أو شركة.. نحن نحيا في وطن.. أتعرف ما هوالإنتماء.. اتعرف ما هوالوطن؟

- .....

- ما تقوله ليس منطقيا.. و لا حتى إنسانيا كما تدعي.. إنها الأنانية المشروطة.. فالعطاء غير مشروط بالأخذ..  بل هو مؤسس على الإنتماء..

- ....

- بل أنت كذلك.. تريد كل شيء معا.. و بدون أدنى جهد.. تريد السفر و البطولة معا.. تريد الرفاهية و أن يُحكى عن تعبك.. هذا عفن يا مروان.. بل و حقارة.. لأنك حينها تكرر ما خربنا.. " بحث عن سهل و بطولة".. أردتنا دائما وراء.. وراء، هزمتنا قبل الحرب.. رسخت حتمية الهزائم في حليب أطفالنا.. و لم ننتبه..

- .....

- في واقعنا علينا أن ننحت الصخر بأسناننا.. أن نعطي و نبدع ضمن أقل الإمكانات، أن نضحي و نبتسم.. هذا هو الإبداع يا مروان.. و هكذا يكون الإنتماء لوطن يحلم بالشمس.

- .....

- إذا أعلن سفرك بوضوح.. و دون تورية.. قل أريد السفر.. تأكد لن نسبك، لن نعاتبك.. فالنار المفتعلة لا تدفئ.. بينما نار القهر.. تدفئ جدا و تدفع نحو الإبداع كالرصاصة.

- .....

- أجل.. هي ضريبة الوعي لمن شاء..

- ....

- أعرف أن هذا صعب و قاهر.. لكن، هنا ولدنا.. و هنا نعطي.. و هنا نموت..

- .....

- أجل كالشجر.. كالشجر يا مروان، و نعشق كل الطيور..

- ....

- حسنا سنبحث في شيء آخر.. قبل أن تغافلني بالهرب.. آسف أقصد السفر..

 ( ينهض و يغسل وجهه بالماء و الصابون.. يشرب ماء.. عصيرا .. سيجارة.. )

لنفترض يا مروان أنك ربحت جائزة، مليون مثلا.. ماذا تفعل بها؟ ماذا تفعل بالمليون!! و إنتبه.. هذه.. ليست ألف درهم.. أو صرة ذهب صغيرة.. هذه مليون...

- .....

- جميل.. شراء بيت، بحديقة خلابة.. جميل، مع أنك تستطيع الإستئجار.. لكن لا بأس.. طالما أنك شخص إستراتيجي.. تتزوج! .. جميل.. و جميل أن يصير لك أولاد، و ينادونك (بابا.. جبتلي شوكولاتة و محاية) ماذا أيضا أيها الأبيض.. سيارة.. أجل أضحت السيارة ضرورية.. و لا داعي للإيضاح، صدقا لا أهزأ بك.. لكن لماذا حديثة النوع؟! طازجة.. و فاخرة.. و تستهلك وقودا كثيراً.. لماذا ضرورة اللون؟ ألينشرح صدرك في الطريق الصباحي للعمل؟ هذه فذلكات لا ضرورة لها..

- ....

- أقر معك بضرورة أن تكون الأشياء جميلة.. ليس هذا فحسب.. بل و تبعث على الدهشة.. لكن ليس الآن.. ليست هذه أولويتنا في الحياة. و الراية البيضاء.. أقصد البدلة البيضاء.. التي ما زلت تحلم برفعها.. أقصد بارتدائها علانية..

- .....

-  لا تدعي محبتك للآخرين.. حتى لو مزاحا.. أو تخيلا.. فهو إستقراء لما تبطن...

- .....

- أعرفك جيدا.. ستظل تدعي الأشياء حتى يحبونك.. يرفعونك على الأكف و الأكتاف.. و عندما يتطلب الأمر منك موقفا.. فعلا طيبا.. ستركب سيارتك الفارهة، مخرجا كفك اليمنى من النافذة لنرى رداءك الأبيض و نفهم أنك تنسحب دون أن تعاني من غصة التبرير.

- ....

- أنا لا أخلط ثم إسمع جيدا.. لقد مللت منك.. ثم لماذا تصرخ بوجهي هكذا.. و من تك أنت.. من تكُ حتى ترفع صوتك في وجهي.. عليك اللعنة.. يا ابيض.. إخرس.. يا عبد الضعف.. يا عبد الوصول.. إخرس.. أنا يكفيني أني لا أباع و أشترى مثلك..

 ( يمشي حتى يهدأ ثم يجلس على الكرسي الهزاز)

صافية هذه الأحاسيس بصدري.. واسعة كبحر.. قوية كريح، بهدوء بحري أحس.. و سعيدا أحس.. و مبتهجا.. و مغتبطا.. و مسترسلا.. كهواء ليل ربيعي.. أتمتع و ألتذ بلفظ الحروف.. و أحس بمقدوري افعل الأشياء الجميلة.. و فقط يزعجني أني لا أعرف ما أود.. سحقا لهذه ال لكن .. تريدني أن أظل حزينا.. لن أقولها إذا.. لو سناء هنا.. لو أنها معي الآن.. كنا غنينا.. و فرحنا.. أكلنا و سهرنا.. شربنا شايا حلوا.. كنا حطمنا ال لكن و اللو و اللولا و كل حروف التمني.. كنا سنسقي كل حروف العيش الطازج قهوتنا.. و اعلنا البدء من جديد.. و صعدنا من وحل الحاضر.. إلى شمس الغد. و ينشط قلبنا و الذهن.. و الدورة الدموية.. كل الأعضاء تزدان ألقا.. حبا .. نشوة.. و علميا هذا صحيح. لكن.. سناء ليست هنا..

- لماذا هي ليست هنا؟!

- لا أدري..

- لا أدري!!  اللعنة على الدراية و على اللا أدري.. اللعنة على رؤانا القاصرة.. سحقا لإنفعالنا الأهوج.. سحقا لتقاليد بالية.. غضبت!؟ أخذت حبيبتي معها.. و متاعها.. و ذهبت إلى بيت أهلها الأخرق.. بيت أبيها المتشوق للإنتقام مني.. أنا أعرف تماما أن أول كلمة قالها لها " لكي تعرفي أنني أفهم كل شيء.. قلت لك هذا اليعقوب لا شيء"  الكارثة في بيت أبيها أُنجزت.. لو بقيت هنا.. كنا عالجنا المشكلة.. بعد يوم.. أو أسبوع.. الآن أقول، هي التي أخطأت.. لربما أنا مخطئ.. لكن هي التي رحلت، هي التي تركت البيت.. هي التي سارت بالإتجاه المعاكس للحلم، كأن البيت شركة.. أو كأنه مجرد مكان.. البيت ليس مجرد مكان، إنه نحن.. فمن يترك (نحنه).

- .....

- إيا كانت الأسباب.. ربما كانت متعبة و المُتعب لا يميز البيت من الشركة.. ربما! لكن ما بي؟! أتهم و أبرر.. هل صار يجرحني كل شيء! هل أريد أن أسأل أينك يا سناء؟! ربما.. كان حلما بصدرنا و غنيناه.. غنينا كي تكبر زهرة.. كنا نريدها أن تكبر حتى نرى أينا أكثر إيمانا بحريتها.. كنا نتراهن على ذلك.. من سيكون أكثر تحضرا مع زهرة.

- لماذا إنسحبت إذا..

- أيها الكون توقف.. بالضبط الآن توقف.. أريد أن أصرخ، أعوي.. اموء..  أخدش صدر الفضاء بالسؤال.. أليست الطفلة من حق الأسرة معا..!

- و ماذا في الخصام يا يعقوب..

- ربما للأفضل.. للأكثر قدرة على التضحية.. و العطاء.

- .....

- لست نبيا.. لكن الأنوثة و الأمومة ليست شرطاً مطلقا للحب.. أدري أن ذلك نشازاً لم نعتده.. و موجع هذا السؤال. لكن.. لماذا أحرم من زهرة؟! هل الأم عاشقة لإبنتها و أنا الحقود؟ أين العدالة؟! كان بمقدورهم أن يأخذوا مني شيئا آخر.. أقل تحطيما لي.. خذوا كتبي و سجائري و قهوتي.. خذوا أشعاري جميعا.. خذوا وقتي و أمنحوني وقتا صغيرا أحضن فيه زهرة.. أحكي لها و تقول لي ( بابا).

 ( يبكي)

هذا القانون فج و ظالم

- يعقوب..

- ماذا تريد..

- ماذا لو أن زهرة هنا.. ؟

- لكن..

- تخيل و عش..

- لا أطيق أن تراني ضعيفا..

- يعقوب..

- نعم!

- يعقوب..

- ماذا تريد من يعقوب..؟

- أنت مجنون..

- مجنون.. مجنون.. و سأريك الآن جنوني.. سأريك أن زهرة هنا.. فقط أمهلني لأستحم من جديد..

 ( يدخل الحمام و يخرج يدندن لحنا لفيروز)

زهرة.. زهرة.. ربما ذهبت للدكان المجاور.. ألن يعترض طريقها أحد.. لا أظن، لقد علمتها كيف تواجه.. كم هي الحياة جميلة.. لو تستمر اللحظات كهذه.. كنا إستطعنا التطلع في الأفق و رحابته و كان سيجد الراغبون في السفر مكانا هنا.. وما كان ييأس أحد. صحيح أين هو؟ أينك يا أبيض الراية.. و الأفق.. و السفر.. أه، ها أنت! ما رأيك بالقهوة..

 ( يتكيء بعدما أوشك على الوقوع.. )

هذه المرة الرابعة منذ يومين و هذا ليس صداعا عاديا.. فلست تعبا، أيعقل أنه الجوع.. ليس جوعا..فأنا أواصل شرب الماء المحلى.. ربما التدخين؟ لا أعتقد! فأنا لا أدخن إلا علبتين أو ثلاثة في اليوم الواحد.. كذلك.. أنا أريح رئتي بمعدل خَمْس إلى سبع ساعات يوميا..فأنا لا أدخن أثناء النوم. أهو دوار البحر إذا.. البحر! البحر بعيدا جدا.. إيه أيها البحر.. هو البعد فيك أعشقه.. و في الإمتداد أحسك روحي كأنما قصة أزلية تصر كلما إبتعدنا.. تقربنا.. إيه أيها البحر.. هل لا بحر هنا!؟ أهو إمتدادك فينا.. إرتباطنا الأسطوري يدفعنا نحونا.. آه أيها البحر.. كم نصرتني.. و كم هزمتني الرمال البيض. أذكر.. قال صديقي " إن علاج دوار البحر.. ان نصر على الإبحار"

حسنا..

 (يبدأ بالدوران عكس ما يعتقد بأن الدوار قد بدأ.. حتى يدوخ و يسقط)

مشهد سادس..

(ينهض متثاقلا.. يتأمل الأشياء كما لو أول مرة)..

أين أنا.. أحس أن وقتا طويلا مضى.. أيام.. أشهر.. سنون.. هل كنت نائما.. ميتا.. ثمة صور كانت تتحرك.. أو تتوضح.. أو تتكسر.. خدرا كثيفا.. ربما غفوت.. لعلي صرخت.. ما الذي يحدد أي شيء؟ ساعة الحائط.. إحساسي.. و ما الجدوى.. ما جدوى كل هذا الهراء! لأفتح النافذة، لعل الوقت ظهرا.. أحس بملل.. أو بالعزلة.. أتدري أيتها الشمس.. ما العزلة.. و كيف تحفر الذاكرة؟ أنّى ستعرفين؟ و أنت الكل يؤنسك! يدور و يلعب حولك.. آه أيتها العزلة.. آه أيتها الشمس.. آه يا وحدتي.. هل كنت مجبرا؟ أم أن الصدفة أوصلتني لما أنا فيه الآن.

- ماذا..؟

- بلى..!

- لن أصمت.. هذه المرة أنا سأفتتح المعركة.. من حق زهرة الإختيار.. لن أقبل ان يختار لها أحد.. سأذهب إليهم و أُعلن ذلك حتى لو اختارتهم.. فقط لأشاهدها و هي تكتسب حقا أولا في الحياة، و بعدها لا يهمني أن أموت أو لا أموت.

 ( يخرج مسرعًا)

مشهد سابع..

( يعقوب يدخل محتدًّا)

- ما الذي جعلني أرجوها المجئ.. كم أنا غبي! و أحاول إقناعها أيضا.. سحقا لي.. و سحقا لها.. حين تحاول الإنتصار في ال........ سحقا لهذا الهوى الذي........ 

- قلت لك ستندم.. لم تصدق! ركبت رأسك و ذهبت..

- من أنت؟

- أنا غيرك.... او أي شيء.. قالوا لك الكثير.. لكن غباءك يمنعك أن تصغي لسواك..

 ( صورة مروان)

- أنت الذي قلت.. ليس لأنك تفهم جيداً.. لكنك كغراب أبيض.. لا تريد لشيء أن يبتسم.. كي لا تكون وحدك من ينعب.. أنظر إليك الآن.. كشيء زائد عن الحاجة! فائض عن الحاجة.. لا أكثر و لا أقل. و ليس سواي يهتم بأمرك.. و أستطيع لو أشاء أن أقسو فأهملك كذلك..

 ( يقلب الصورة)

عليك اللعنة.. كم تتذمر..وتسبب لي الكآبة..

 ( يصطدم.. يتكئ..)

هي زهرة.. تلك الرائعة.. تأخذني أحيانا للضعف.. حين أحتاج الحسم.. ربما ليس كذلك.. لا أدري.. لكن ثمة شيء يستل الأكسجين من رئتي.. لا أدريه.. أليس كذلك كذلك يا أبا العلاء.. أجب.. تفلح أنت في نظم القصائد و صوغ التحدي.. و التغزل في التوحد.. و تعجز عن ترطيب وقتي أو تحفيزي لشيء.. ماذا أورثتنا.. أنت و غيرك.. ماذا غير الإنهزام!

- ......

- لا تريد محادثتي.. أم تترفع عنها.. كن جريئا كأنت.. و أجبني.. لا تحرص على مشاعري.. لا تعتقد أني أموت لو تركتني و تأكد أنك لن تضيف لأوجاعي الكثير..

- .......

- إذا أنت لا تطيقني.. و ما من داع للتبرير أو التفسير.. فأنا أيضا لا أطيقني.. و لا أدري لماذا.. اعرف أني سيء جدا.. و أحيانا أبصق في المرآة.. بل أكثر من ذلك.. أحيانا اكرهني.. لكني مجبر عليّ.. لا أستطيع التخلص مني.. و الانتحار يحتاج إلى لحظة عالية.. لا أقدر كجبان على النفاذ فيها.. كثيرا تعرضت للتعذيب وشبه الموت في الحرب.. في المعتقل.. في شارع مزدحم.. في مشفى رديء.. لم أخف.. لم أتردد.. لكن الوقوف و بكامل العتاد و إستحضار الموت و إختصار كل شيء بطلقة.. أحس ذلك يحتاج علوا في اللحظة ما بعده علو. أحيانا أحس بحاجتي إليّ.. بالرغم أني لا أطيقني.. و بالرغم أني لا أحتملني.. صرت أتذمر.. حتى من تذمري.. و في لحظات أخرى.. أحس أحبني... و مجرد أن أتذكر زهرة.. احس بالحياة كأنما تدب فيّ من جديد.. كانما أول مرة دائما.. وقع اسمها له مشهد الميلاد.

 ( يلقي بكتاب المعري من النافذة)

و بالرغم من بعدها تكفي لتحيا فيّ ذاكرتي.. تلعب.. و تذبح ذاكرتي و تنشيها بعطرها الغائب الحاضر..

 ( صوت فرملة عجلات في الخارج)

دهسوه! هرسه الحديد.. بقيت زهرة.. هرسوا الشاعر.. هرسوا المعري بقيّ الشعر.. سرقوا زهرة.. بقيّ العطر.. الزهر.. المطر.. الحب.. نام الحلم.. و صاح الأرق.. لا أكره أحدا.. للحب أغني.. و بالحب أبني و أخرب.. لربما لست أحب سناء.. أو لربما أجهل حقيقة مشاعري نحوها.. إذ.. لا أستطيع تذكرها بمعزل عما جرى.. تعبت حين أساءت..حاولت أن أفهم.. حاولت أن أكون محايداً.. لست بريئا.. لست نبيا.. لست الوسط.. لا أتهمها.. لكن؛ لم أعد قادرا أن أحبها..

 ( يعاوده الدوار.. )

لا.. لن أسير عكس الدوار.. لن أكرر أوجاع ظهري.. أخاف على جمجمتي أن تباع بعد موتي لطلاب الطب.. و أخشى أن تستغل قصتي لرفع سعر جمجمتي..

 ( يخلع الساعة من يده و يرميها)

إذهبي أيتها الدقائق..

 ( يقف قبالة المرآة.. يدخن مع نصف إطفاء للإضاءة)

مشهد ثامن..

( يسمع طرقا ناعما على الباب)

يبدو أنه الباب.. إيقاع النقر على الباب في العزلة.. كما الغناء ينشر الدفء بخاصرتي..

 ( يذهب نحو الباب راقصا.. يفتحه.. ينزل أرضا يحتضن الهواء)

زهرة!! إشتقتك.. ليديك.. لعينيك.. إشتقت..

- .....

- ماذا؟!  أمك في الباب! مهلا إذا..

 ( ينزل زهرة المتخيلة بهدوء.. يذهب نحو الباب.. يفتح دفته الأخرى.. ينحني محييا.. ثم يشبك يده بالهواء و يمشي بموسيقى زفاف)

أدخلي جنتك يا سناء.. أدخلي قلبي.. زهرة... حبيبتي .. إنتبهي  لأصابعك لأن الشمع يسيح..

- .....

- أحبك يا سناء..

- .......

- ما رأيكم ان تجلسوا ريثما أهيء المكان للإحتفال..

( يرتب في الغرفة.. و يتحدث)

لقد كنت واثقا أن الحب سينتصر.. الحب قبل الخبز أحيانا..

 ( يحضر القهوة و العصير.. و يجلس)

أتذكري لقاءنا الأول.. أتذكري ما قلته لك..

- ......

- لا يا سناء..  دعيها تعرف كل شيء..

- ......

- لو أصر الآخرون على أن الأجمل يسكن في الكتب.. لسعيت لتحويل الحياة إلى كُتُبٍ وأقلامٍ ملونة.. حبرٍ.. خبزٍ.. و دفاتر.. و أذكر قلتِ لي " ماذا لو لم تستطع" و قلت لك " سأنتحر"

- .....

- أجل.. يبدو أني لم أنتحر بعد.. فبعد لم أيأس للحد المناسب.. و حضوركم المدهش سيمدني بفرح لا يتناهى. المهم.. خبروني عنكم.. خبروني كل شيء.. هل أحضّر لكم عشاء.. اتدرون.. كم إنتظرت هذه اللحظة؟ و كم تخيلتها؟

- ......

- ربما من شدة فرحتي، أصابني الإرتباك.. و لا أدرى ماذا أفعل.. المهم أنني جِدُّ سعيدٍ بكن. ما بك زهرة.. هل أنت متعبة؟ هل أعد لك سريرك.. ما زال كما هو.. مرتبا.. لربما أنتن متعبات.. ما رأيكن أن تنمن قليلا..ثم نحتفل.

- .....

- ماذا؟

- .....

- ماذا قلت يا سناء؟

- .....

- الرحيل!!!!!!!

 ( كمن صعقته الكهرباء)

- و هل إنتظرتكم كل هذا الوقت لتأتين بالرحيل..

- ......

- رحيلا كان أم سفراً.. كله يتم بواسطة الحقائب و الإتجاه المعاكس للماضي..

- .......

- لا يا سناء.. ليس الصواب تكرار السفر.. من يعتاد الرحيل لن يحب أرضا أبداً.

- ..........

- لا تحاولي التبرير بالبحث عن الأمان.. لا تخلطي الأوراق.. لا تؤثري على مشاعري.. لا تمسكيني من يدي الضعيفة.. أكسرها و لا أنحني..

- .........

- لا يعني إن هزمنا العسكر الآخر.. أن ننهزم في داخلنا.. فثمة حلم...

- .......

- سناء.. حاولي أن لا نخطئ!!

-.......

- سناء..! ألا تدهشك أشياؤنا؟ هذا المقعد.. المكتبة.. سريرنا.. سرير زهرة.. مطبخنا.. خزانتنا.. زهرة! ألم تجمعي المسامير من بقايا الأبنية.. سناء! أنسيتي حين أخبرتني زهرة دون لعثمة.. أنك طرقتِ إصبعك بدل المسمار؟ ما فعلناه و ما صنعناه.. لم يكن عاديا. هو ماضينا و حاضرنا و أفقنا الأول.. فلماذا ننسحب؟!  سناء!! زهرة!! ألن تشربي القهوة.. ألن تشربي العصير؟ إلى أين تذهبن..

 ( مباغتة)

هل هذا حلم!؟

حتى لو كان حلما.. هو الحقيقة.. ففي الصحو لم يحدث غير هذا.. هو الفرح الزهري الذي لم ياتِ بعد.

 ( يتنهد)

لماذا لا أكون أنا المخطئ؟ بل و الحيوان كذلك.. ماذا لو جئتِ ككل مرة..

- لماذا عليّ أنا فقط أن أوسع صدري دوما؟

- ضاق صدري مرة  لدقائق.. هجرتني .. لماذا يرحل الجميع عني؟ لماذا أنا المطلوب منه كل شيء..

- إخرس.. أضعت كل شيء و الآن تبكي ككلب..

- أنا لم أضيع شيئا.. الأشياء تضيع دون إذني ..

- إخرس.. ربما ستقول لي أنك كنت تتمزق و أنت تسبها و تصرخ في وجهها.. إخرس لكم أنت بذئ!

- يكفي هذا.. إنصرف عني.. أخرج من هنا..

- .....

- من! ناصر! آسف.. ما الذي أتى بك...؟

- .......

- ناصر.. ما عاد يهمني.. لأن من ينتظر الفرصة المناسبة ليطالبني بالرحيل أو لينتصر حيث لا معركة..

- ......

- أنا لم أوافق يا ناصر.. و إسأل مروان!

- ....

- ماذا تعني أنهن لم يكن هنا قبل قليل؟!!!

- ......

- مروان هنا.. و بإمكانك أن تسأله..

- ........

- ليفعل إذن كلٌ منا ما يريد.. و فقط لنتذكر جميعا أن كلا منا مسؤول عن فعله..

- .....

- يكفي أسئلة يا ناصر..!

- ........

- أنا لست كئيبا كما تعتقد.. و كنت أظنك مختلفا.. لكن يبدو أن الواقع قادر على صوغك مثلهم! إنصرف يا ناصر.. سأواصل وحدي..

- .........

- أيا كانت النتائج.. سأقاوم وحدي.. سأفتتح الرياح وحدي.. أيتها الريح: أهجمي عليّ.. إختبري حلمي..

 ( ينادي.. يهدأ .. ينادي)

-  يعقوب ... يعقوب ... يعقوب..

- لعنة الله على يعقوب.. ماذا تريد؟

- ......

- أعرف أن عليّ حسم الموقف.. فإما حضورهما أو أحيا كما شئت.. و ليس لأحد أن يحاسبني..و ما يتبقى من قدرة على الفرح.. فحدائق الأطفال التي وعدنا بها دوما أو مدارس الأطفال.. تكفي! و لكن قبل ذلك لا بد من المحكمة!

- ........

- و لماذا غدا؟ لماذا ليس اليوم..؟

- ........

- لا تنسى مقولتنا العظيمة يا مروان " يجب دوما تأجيل أي قرار قدر إغفاءتين.. حتى نتيقن من حكمته وأنه لم يكن محض إنفعال.

- .......

- الآن.. سأدخن حتى أغفو

 ( يتمدد على السرير حتى يغفو)

مشهد تاسع..

( ينهض.. يبدأ بترتيب الأشياء... يأكل.. يشرب.. يصنع القهوة.. يغسل وجهه و يديه)

ثمة أشياء لا بدائل لها.. القهوة بعد التعب.. لفافة التبغ.. الخبز.. الحب.. الإحساس بالإنتماء للأشياء.. كأس خمر بعد مجهود ناجع.. ناجع فعلا جميلة.. و انجع من كلمة ناجح.. كذلك اللغة حين تحمل معنانا.. و جمال القهوة.. في علاقة فناجينها! فليس الأول هو المحدد لجمالية الثاني دوما.. أحيانا يصيبني الملل.. حتى و إن أحسست بجمالية الأول.. لكن، على قاعدة الضجر منها كلها.. و أقصد الفناجين..

- هذا خلط غبي للقهوة بالإقتصاد..

- و بعلم النفس أيضا.. فحين أكون سعيدا..

- من سعيد بن أحمد هذا؟ لا وقت للمزاح يا يعقوب..

- حسنا.. أقصد.......... من ناصر! إنتظرني حتى أُنهي محاضرتي.. حين أكون فرحا.. أستمتع بدن من القهوة! و حبال من السجائر! كأول مرة إلتقيت  فيها سناء.. شربت غلايتين من القهوة.. أو لنقل دلتين من القهوة.. أو ركوتين.. أو آنيتي قهوة..

- .....

- أنا لا أكذب .. كان اللقاء جميلا و أردته أن يطول، و مع ذلك كانت القهوة جميلة.. اللعنة! ألم أقل أني سانساها! سأصمت! منذ  زمن لم أصمت.. يا للصمت ما أحلاه!

 ( بعد صمت قصير.. يسمع صوت حركة خارج النافذة

- ما هذا!

- هل أنت خائف؟

- ليس خوفا.. ربما قليلا من الإرتباك! أو.. هو.. نوع من ال...... كأنما حذر!  فأنا..محارب قديم، و الأوسمة تشهد..

 ( يرتدي معطفه الطويل.. يغلق أزراره جميعا..و يتجه ببطئ نحو النافذة.. ينظر من النافذة بحذر)

- عليك اللعنة أيها القط اللعين.. أرعبتني.. لا ليس رعبا! كان حذراً... لو أن أحدا غيري لما جرؤ على مجرد النظر من النافذة و أوسمتي تشهد.. و لولا....... و ما تنفع لولا!؟ لو سمحوا ربما سأكون الآن الشهيد يعقوب!  ممتزجا بالتراب.. لو أنني إستشهدت ستقدر زهرة أن تكون قوية، رغم كل محاولات طمسها.. ستقول لصاحباتها " أبي مات شهيدا.. من أجلنا جميعا" و سترقص فرحا.. ذكرى الشهيد ستحرسها......... لا بد أن يسمحوا في المرة القادمة؛ فأنا صادق.. و واضح، و لم أفعل ما يسيء لأحد..

- ربما هذا هو السبب..!

- هل ذنبي أنني أحلم؟ ما ذنبي إن كان القانون أضيق من مداي.. و أصغر من حلمي.. و يضطرني أن أحلم ضده! يا أخي! مقاسه أصغر من مقاسي.. لو أنهم مثلا يبدعون قانونا واسعا  كهذا المعطف........ لا لا...

- ما بك؟

- هذا المعطف مستورد.. و المستورد يمتاز بخاصية الشرب اللا محدود للماء.. و ما هي إلا أشهر حتى يضيق علينا........ حتى يوشك أن يخنقنا!

 ( يجلس مهدأ ذاته.. يعاود الصوت خارج النافذة ثانية.. )

- لما لا يتركونني و شأني!؟ لماذا تظل تلاحقني الأشياء؟ الذكريات.. حتى أنا ألاحقني! و النظارة.. و الشهداء.. ما عادوا يفعلون سوى الصمت و ملاحقتي!......................... أين أنت؟ أين تركتني؟ أنا أكره ذاكرتي.. لقد منعوني و أخذوا زهرة.. بت لا أعرفني.. أيها الحبيب: إنهض قليلا من موتك.. عُد قليلا.. إصعد من ترابك الآن.. ألا تراني؟ من قال لك أن تستشهد باكرا؟ هل كنت تعرف أن أمي ستموت بعدك بيومين؟ هل كنت تعرف؟ لماذا إذا...

 ( ينهال أرضا )

- ما بك يا يعقوب؟

- أشعر بأني مهدودٌ.. نادمٌ..

- قلت لك لا تذهب..

- دفعتني الحاجة و سلسلة الضعف!

- و ها هي لم تأتِ...!

- كانت ستأتي..

- هل ستخلق لها الأعذار؟

- لا و لكن...

- هل ما زلت تحبها؟

- أحبها؟! كانت و زهرة سيأتين..

- و ماذا بعد..

- أبوها تحجج بالقانون.. ! القانون! قانون من هذا ؟ من أعطاه الحق بحرماني من طفلتي؟ ألست إنسانا؟ أم هذا القانون أخرق..

- ماذا تريد من القانون يا يعقوب؟

- أريد مثلا..ان يجعلوا زهرة زهرتين.. لا تقل أني مجنون.. اعرف أن هذا محال.. لكني أهترئ شوقا..

- ......

- يا ليتني أجن فأستريح من عذابات الروح.. الروح! .. العذاب.. يعقوب.. الطويل.. القصير.. صاحب هذي الليلة.. صاحب كل ما هو مفتقد؟ و رفيق الجميع؟ سيد الوجع؟  أجل.. فمثلا لو أردت أن أحكم هذا الكون الليلة... لفعلت! و المسألة أبسط مما تعتقد..

- ......

- تخيل فقط و سترى ذلك يحدث.. و سأريك الآن.. أنظر يا ناصر!

 ( يعدل هيأته.. ينظر من النافذة.. )

يا أيها العسس إقبضوا على ذلك السارق.. حيوان متخلف.. يسرق الخبز من يد الطفلة.. إقطعوا يده الآثمة.. لا يأتي إلا بالعين الملونة.. قد تقول جائع.. ربما كان جائعا! بل أكيد هو جائع.. لكن إنهيار المجتمعات يبدأ حين يسرق الجياع بعضهم!

- لكن يا سيدي..

- ليس لكن.. أنا السلطان هنا.. و ليس لغيري أن يحكم بغير ما أرى! أعرف ستقول لي .. لا بد ستقول لي .. أن الجائع لا يعرف شيئا عن إنهيار المجتمعات.. و لا يدري من هذه الطفلة! و ستقول لي أن السارق هذا لا يدري سوى خواء أمعائه!  لماذا لا يعرف أيها الحاجب؟ ايها العسس! بعد أن تقطعوا يد السارق الآثمة.. دعوا الحاجب يخبره بما لا يعرف.. ثم إقطعوا لسان الحاجب... حاجب آخر زمن! طالما أنه لا يخبر الناس بما لا يعرفون.. فما لزوم لسانه؟

أم أن لسانه فقط لإزعاجي؟

- سيدي!

- ماذا يا غلام؟ هل تريدني أن أترك الأمور سائبة؟ يجب أن نرسخ الاخلاق.. أليس كذلك أيها الحاجب؟

- ......

- سيدي.. الحاجب لا يستطيع الكلام..

- قل أنت يا غلام..

- سيدي!.. قال لي صاحب العسس أن السارق لم يسرق بيده فقط..

- بماذا أيضا يا غلام؟

- بفمه و أنفه و عينيه و جوع أمعائه.. لقد وحّد أعضاءه كاملة في الجريمة.. يا سيدي!! لذلك أقترح أن نقتله يا سيدي..

 ( ضجيج)

- ما هذا الضجيج أيها الغلام؟

- إنهم الجيران يا سيدي.. لقد سكنوا حديثا..

- أأمر الجيران بالصمت! و إلا قطعت ألسنتهم جميعا.. أمور البلاد ليست سهلة و يجب أن يسود الأمن رغم أنوف المزعجين.. بلاد! أمان! جوع! طفلة! زهرة! آه! أرأيت يا ناصر كم هو الأمر سهلا.. لدرجة أنني صدقت الأمر.

- و ماذا بعد؟

- العلم يقول " التخيل للقوة يتأتى نتيجة ضعف داخلي مرفوض" و يسمى هذا عادة التخيل التعويضي.. أو المعادل الموضوعي..

- و بعد..

- لقد تعبت.. لم أفعل ما يستوجب كل هذه الإماتة وحدي..

 ( يرتخي على الأريكة و يغفو)

مشهد عاشر..

( ينهض عن الأريكة نزقا)

لست أعرف بالضبط ما أفعل.. ممنوع من كل شيء.. أنا لم أطلب مستحيلا..

- بعد كل الذي فعلوه بك.. تسامح؟

- أقول نحاول..

- تحاول! يا غبي!

- ليس لأجلي.. لأجل زهرة! طفلتي التي.. الورد بعمرها.. طفلتي التي تحرك فيّ الحياة.. تمنحني روحي و الأشياء الطيبة.. أما هُم فقساة كالصحراء.. حتى القاضي.. ذاك المتعجرف ال....... لم أجد في قاموسنا الحجري وصفا يليق به.. و لا في تاريخ هزائمنا.. هزيمة تليق بحضرته.. حين وقفت امامه و كنت اتصبب عرقا ساخنا؛ كنت أرتجف..قلت له و أنا اتساءل: كيف أرجو هذا المتعجرف؟ كيف أرجو هذا الذي لا يهمه من أمري سوى البحث في كتاب القانون العابق بالعث و الغبار ليجد حادثة تشابه ولو قليلا قصتنا.. ليحكم بالصراط المستقيم و يستريح.. قلت له "هذه إبنتي، سنواتها صغيرة.. و ليس لي أحد في قانونكم سواها" الغصة صعدت.. وصلت سقف حلقي.. كيف أرجوه حقي؟ لما أرجوه؟ زهرة هي عشبي.. أرضي.. هوائي.. إبنتي أنا.. و ليست وقفا من أملاك القانون.. قلت له "ليس لها أحد في تاريخنا غيري".. قال - و كنت على إستعداد لقتله - " الطفلة من حق الزوجة.. حتى تكبر.." ماذا سأقدم لها حين تكبر.. صرخت.. امتلأت بصرختي.. رموني في الشارع.. وحيدا..إلا من الضعف و الذكرى. لا بد أنهم أسقوها شيئا لتنام.. فزهرة طفلتي ما كانت لتصمت.. آه.. لو أنها إستفاقت تلك اللحظة! و أذكر قال لي أن عليّ بالصمت و الهدوء.. إذا رغبت ان تختارني حين تكبر! لماذا هي إبنتي إذا كانت ستكبر عند الآخرين.. هل سأنتظر؟ هل أمنحهم الوقت و الهدوء و الصمت.. ليهدموها؟  قلت لي: لا بد أن أفعل شيئا! مشيت في الشوارع.. كغريب بلا مأوى! نمت على الأرصفة.. اتنقل بين أبواب المدارس.. أبحث عن طفل يقبل حلواي و عشقي.. لم أعد أرى صاحب العمل في الوقت وقتا.. في أحد النهارات.. لملمت نفسي و أخذتني للعمل.. طردني! قال:" لقد تغيبت أسبوعين يا يعقوب.. و دون إذن رسمي.. أنت مفصول و راجع المحاسب!" يريدون للحزن إذنا رسميا و شهود.. تذكرت لحظتها.. كانت زهرة كجرح أفقي، شرحت له ما إستطاعت ذاكرتي أن تتمتم به، و كان صعبا جدا أن أبكي أمامه! و كان صعبا أن أؤجل دمعي.. إنفجرت في وجهه.. ضربوني، كل الذين كنت احبهم.. هل أحد يعرف زهرة!؟ الكل كان موجودا.. و الكل ما زال حيا..

 ( يتجه للهاتف.. و يجري إتصالا)

- ألو... أبو سالم.. أريد أن أكلم زهرة..

- ......

- أنا يعقوب..

- ......

- يعقوب مين!!! يعقوب يا سالم.. ألم تعد تعرفني..

- ......

- حسنا.. تشاوروا و تداولوا أحاسيسي..

- ......

- لا.. لا شيء..

- ......

- ألو..سناء!! أحتاج كلمة بابا لمرة واحدة..

- .......

- سناء! سناء لا تدفعيني....

- ......

- سناء! زهرة إبنتي..

- .......

- سناء! ..............

 ( يغلق الهاتف بعنف)

القاضي حكم و إنتهى الأمر.. أهذا ردك يا سناء؟ حجتها القاضي إذن.. ماذا لو قتلته!؟ بماذا تحتج عندئذ..

 ( يتناول سكين المطبخ و يخرج مذعورا)

مشهد حادي عشر..

( يعقوب يدخل لاهثا.. و ثيابه و السكين ملطّخة بالدم)

أجل قتلته.. أجل بهذه السكين.. كنا نقطع بها الخضار.. و الآن سأقتل كل من يمنعني حقي.. و سأضعها في مكان بائن.. لأذكر أنني إستعدت علوي.. أجل إنتقمت لزهرة التي جعلوها كشيء لا أكثر.. كموضوع لإبداء وجهات النظر..

- و ماذا لو..

- لو ماذا؟!

- لنفترض أنهم شكوا بك! و جاؤوا يسألونك: هل قتلته يا يعقوب؟

- ماذا؟

- هل قتلته يا يعقوب؟

- أجل قتلته! لأن القاتل يُقتل.. و هو ذبحني ألف مرة، ألا يحق لي أن أقتله مرة واحدة! لماذا أنا الذي يُحاسب على القتل؟ لماذا لا يحاسب هو؟ مع أنه لم يتردد بالأمر بقتلي!

- و إذا لم يسألوك.. و لم يشكوا بك.. هل ستعلن مسؤوليتك عن ذلك؟ هل تُعلن ذلك؟

- قد أفعل.. و قد لا أفعل..

- و لماذا قد.. لا.. تفعل..؟

- أخشى أن يكون القاضي البديل إحدى نسخ الكربون!

- لما قتلته إذا..طالما العلة في الكربون و ليست فيه..

- لقد حرمني زهرة!

- من الذي حرمك إياها؟ القاضي! سناء! أم الكربون..

- كلهم..

- لماذا إذا قتلته دونهم جميعا؟!

- لا أعلم.. و دعني.. دعوني وحدي.. إبتعدوا كلكم.. انت كذلك يا يعقوب.. إنصرف.... من ناصر؟ تريد مساعدتي؟ كيف و أنت لا تحتمل لغتي؟.. لما أنت مُصر.. ماذا ستفهم؟ لقد إنتهيت.. أرى أنك طيب القلب و تحبني.. لكن ما جدوى ذلك يا ناصر؟!

أفهموني أني لا أحب الحرب.. و أني لا أستطيع دخولها.. حاولت أن لا أفهم.. فأفهموني كل شيء.. أدخلوا الأشياء في رأسي.. لا أعرف كيف! الذكريات و المفاهيم.. و الصور الجديدة. صرت غريبا.. حتى في السجن كنت أُعامل كما لو أني جرذ! أخرجوني حين رأوا أني لم أعد قادرا على أي شيء! إعتقدت غير ذلك.. بحثت عن الناس.. عن الأصدقاء.. كان الكل يهرب من وجهي.. كانوا يحكون فلسفات كثيرة.. و لغات كثيرة، لم أفهم منها شيئاً! سألت: أهي الحقيقة.. أم العقيقة؟ كان سهلا عليهم.. كل شيء.. التكنولوجيا.. سهلت لهم كل شيء.. و كان صعبا عليّ كل شيء.

- ......

- انت لا تعرف زهرة يا ناصر! سناء فقط تعرفها..

- ......

- لا تحكي عن سناء.. فأنا من يعرفها.. و كل ما حدث لا يعني أني أكرهها.. أجل.. لم نعد نحتمل كلينا.. أو هي لم تعد تحتملني.. لكني ظللت أحبها و ظللت أرفض ذوبانها في قمقم القيمة السائدة. أدري أنها كانت تحتاجني.. كان صعبا عليّ أن أكبلها و أرغمها على الحلم.. أحبها بنت الكلب.. لكنها هربت و تركتني أنوح كالكلب! إشمئزت مني.. أعرف.. و لم أعد قادرا.. تلك الليلة؛ كنت بحاجة لكل ما يمكن أن يسند الروح.. لأظل واقفا.. قسما لو كنت أستطيع لحظتها.. لإحتملت. كانت تهرسني الأشياء يا ناصر.. أعرف و أعترف.. أني.. حين لم أعد قادراً على الإحتمال.. خُنت!

- .......

- أنا خُنت ذاتي.. خُنت زهرة.. الآن أمسى كل شيء واضحاً.. فلا تحاول إطالة صبري.. لا تصر مثلهم، لا تكن مثلي.. فأنا أمسيت منذ ليلتها مهزوم.. ربما.. انا الوحيد.. الآن.. القابل للحساب و كشف سوءاتي.. فلم يتبق لدي ما أخاف عليه.. كل شيء ضاع! الحرب.. و لذة الحروف.. و الحلم.. ألا ينتابك هاجس البكاء بأعلى الصوت؟ ألا تحس بضرورة النوح؟ أجل لا بد من الموت يا ناصر.. فأنا مهزوم من الداخل.. لما تصمت.. لما تحكي.. لمَ تؤجل.. لماذا أي شيء غير الموت!؟ ألأن الصمت قاتل؟ لا توقفني يا ناصر.. فأنا الآن اعلو نحو لحظتي.. أرى كل شيء؟ لا أقدر إلا أن أختارها.. لم أعد أستطيع الهرب.. و ما أراني إلا محلقا في لحظتي تلك.. لا تذكرني بشيء.. فأنا لم أنس أي شيء.. و فقط إمنحني صمتك العالي..فإيقاع الطبول عالٍ.. إيقاع الطبول يحملني و يطوف بي.. و يرتفع.. و أرتفع.. لحظة الولوج بالرؤيا و الجنون.. ما أجمل أن أدرك أني أختار الموت.. إيقاع الطبول يضطرب.. و أنا أراني و أحبني الآن.. و الطبول كذلك وحدها تحبني و هذي راية نصري..

 ( يرفع السكين)

هذي راية إعتراضي..

 ( يفتح قميصه عنوة بيده اليسرى)

و هذي جراحي أشرعها.. و هذي طبولي تفرحني..و تفرح بي..

 ( يطعن جسده بالسكين مع إرتفاع إيقاع الطبول و يسقط ببطئ)

تنويه:

 ( يصعد أحدهم خشبة المسرح.. يحاول ان يوقف يعقوب فيكتشف أنه ميت فعلا.. فيلتفت نحو الجمهور و يقول)

... السادة الحضور.. نشارككم حزنكم و أسفكم الشديد على وفاة الممثل أحمد س خليل.. و ننوه أنه انتحر بمحض إرادته.. ففي النص المسرحي.. يُفترض أن يتراجع يعقوب عن الإنتحار من أجل زهرة.. و كنا قد إعتقدنا أثناء إعداد المسرحية أنه إقتنع برأينا.. كما كان يخبرنا.. و لا ندري ما الذي حدث معه و جعله ينتحر بالفعل.. لذلك كان لا بد من هذا التنويه مؤكدين مرة أخرى حزننا الشديد و العميق و عدم مسؤوليتنا عن موته.. و شكرا..

 

 

 

مجلة الملتقى

الإصدار السادس عشر

الإعجابات: 1

التعليقات: 4

المشاهدات: 105

عبير أبو شهدا

كل الشكر لهذا الحرف القيم

عبير أبو شهدا

كل الشكر لهذا الحرف القيم

زياد القنطار

سعيد برفقة هذا الجمال، الفنان والمبدع رائد ابوزهرة

زياد القنطار

سعيد برفقة هذا الجمال، الفنان والمبدع رائد ابوزهرة