logo

رؤية

أحمد علي هلال

النّص ورهانات التّأويل

وفي الخطاب النقدي ثمة ما أوقر بأنّ النّص بات صاحب سلطة عليا، نظراً لما تجتذبه حقوله من تراسل أجناس إبداعية مختلفة، ليس من أجل ما تلامسه اللغة وتقتفي أثره ولتصبح داله، بل أكثر من ذلك بمعنى أن علاقة النص باللغة هي علاقة بالمحتمل  الجمالي الذي ينفتح على مستويات التلقي ودرجاته، فالنص يُعاد كتابة كلما قرأناه وأعدنا اكتشافه، وإلا فما المسوغ في نصوص اخترقت أزمنتها وظلت عابرة لها، لكأنها طازجة بزمنها وحاملة له من جهات الحداثة الأولى إلى ما بعدها، فهل (أُصيب الكتاب بانقلاب، أحدثه كاتبه، فلم يعد هناك شاعر أو روائي، لم يعد هناك شيء سوى الكتابة)، كما تساءل صاحب كتاب (الحمى) جان ماري غوستاف لوكلوزيو ونقل ذلك رولاند بارت في كتابه الباهر (نقد وحقيقة)، بلى تبقى الكتابة بمرجعيتها وتعددها أثراً ثقافياً عابراً للأزمنة والأمكنة والخطابات، بل سائر الخطابات.

وهذا ما رمى على مؤسسة الكتابة والإبداع بآن معاً غير سؤال سيختص جدلية الراهنية والمستقبل توسلاً لاستراتيجية  التلقي، تلقي النص بوعي نقدي يعيد تأثيث لحظة الكتابة ولحظة القراءة في سياق التطور والتحديث، إذ إن نص الكتابة هو نص متعدد الدلالة بلا حدود، مزهو بتعدديته ومفتوح بلا قيود، أما نص القراءة فهو نص يتسم بالحد الأدنى من التعدد الدلالي، ذلك ما تحيلنا إليه نظرية الأدب في استخلاصاتها غير المنتهية نظراً للطبيعة الجدلية للنص كما للإبداع، وأكثر من ذلك ثمة مساهمات عديدة وقراءات متواترة في نظرية الأدب على يد (ك. م. نيوتن) ذهبت لسبر حقيقة النص الأدبي التي تقع غالباً داخل خيال القارئ، بمعنى أن بنية النص تسمح للقارئ أن يضع نفسه في عالم الخيال، لأن النص الأدبي لا يفرض مطلباً حقيقياً موضوعياً على قراءه، لكنه يتيح المجال لأي إنسان ليفسره بطريقته الخاصة، وعند الناقد (ألفين كرنان) في موت الأدب نجد أن النص الأدبي هو مجرد نص سابح وأن لغته غي محددة... بحيث أصبح التفسير مسألة اختبار شخصي.

وحقيقة الأمر أن تلك الفرضيات التي حملها الخطاب النقدي الغربي جعلت بفعل تغير الشعر والرواية مثلاً ، النص كمعطى غير ثابت في سياق عملية القراءة ما يؤكد على أن حقائق الأدب مفتوحة على الدوام، فالنص الذي يتشكل أثناء القراءة يُحيل لنص آخر يتشكل بعدها، ولعل ذلك النص الآخر الذي نجد امتداده في المقالات واليوميات والرسائل والخطب وكلام الأغاني والمتداول شفاهاً، هو نتاج شيفرة لغوية وثقافية معرفية وإنسانية، فمن المحتمل الإبداعي إلى المحتمل النقدي يقف القارئ على مسافة شغف معرفي ليعيد اكتشاف وعيه، ثمة عملية مزدوجة حينما يحفز النص قارئه على أن يستعيد وعياً سنتعرفه بالسياق الجمالي، الذي يعضد الأنساق المعرفية لأفعال التلقي... وعليه كيف يتشكل القارئ المعاصر اليوم ليمتلك وعياً إضافياً بحقيقة الإبداع وحقيقة النص/ الأثر، هي صيرورات المعنى الكلي الذي سيعني أكثر من لذة نص عابرة إلى تشكيل جينات الكتابة  في هيئة ومقام جديد، لأزمنة قادمة.

مجلة الملتقى

الإصدار السادس عشر

الإعجابات: 1

التعليقات: 0

المشاهدات: 68