logo

قراءة في رواية

زيّاد القنطار

(( خبر عاجل ))

رواية للدكتور نضال الصالح

 إلى حلب مرّة ثانية ،ودائماً

بعد رواية ((حبس الدم)) يطلّ علينا الدكتور نضال الصالح من بوابة عمل جديد بعنوان (( خبر عاجل ))  والعملان ـ أي حبس الدم وخبر عاجل ـ  راشحهما الحكائيّ يتقطّر من ذات البيئة والمكان، وتدور أحداثهما  في الشّمال السوري، تحديداً في مدينة حلب التي فرد الصالح لها  كامل مساحتي العملين بقصدية, مبعثها صدق الانتماء وعشق غائر عند آخر الروح، وهذا واضح من خلال محمل سرد بوَّاح ناضح من بُرك الوجد ، ليأتي خطاب السرد في العملين حافلاً بالإحالات الغائصة في عمق التجذّر التاريخي لهذه المدينة، ناضحاً حقبها وما تواتر عليها من أحداث، هاجساً بما آل إليه الحال، ولم يزل غبار الحرب قابعاً على أغطية أسرّة أهلها، وتلاحق زوابعها السوريين، إلى أقاصي هذا الكون، وأدب الحرب بصفة عامة، أنّى وقف ومن أيّ زاوية سطع نوره، يشفع له صدق أنين كلماته، بوصفه أفضل ضمادات الجراح المفتوحة، لم يكن العنوان (( خبر عاجل )) ـ المطلّ على فضاء السّرد من ذروة الترقب، بما يحمل من إثارة الحافز الوحيد لقراءة هذا العمل والخوض في غمار جملته الرّوائية ,ومعماره السردي الحكائي. فالعمل يعود لشخصية أدبية مرموقة لها مكانتها ،وحضورها على السّاحة الثّقافيّة السّوريّة والعربية، والرجل كان لوقت غير بعيد، على رأس هرم أكبر مؤسسة رسمية تُعنى بالثّقافة والأدب والإبداع (( رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا )).وهو المنظّر الذي يركن إلى رؤيته في تقعيد الجملة الإبداعية في سياقات منظومتي النّثر والشّعر فكان هذا حافزاً أكبرَ للوقوف على منتج له كلّ هذه المرجعيّة الثّقافيّة العميقة، خاصةً أنّ العمل فيه إشارات واضحة ،إلى فسادٍ مستشْرٍ، في المؤسسات الثّقافيّة الرسميّة، والرّجل من مكانه يمكن أن ينطبق عليه.. قول ((وشهد شاهد من أهله ))

في الحكائية.

يبدأ الصالح روايته من رسالة موجّهة إلى أحمد المهندس الرّوائي من مؤسستين رسميتين تعتذران له عن نشر روايته . وتبديان له أسفهما الشديد، مذيلتين الخطابين بعبارة ختامية (( غير صالح للنشر)) .

ولجنة القراءة من وجهة نظر أحمد الذي يساندها النّاقد الدكتور هشام، لا تملك مؤهلات الحكم على عمل أدبي، لعدم امتلاكها لأدوات النقد، ولعدم تمثّلها أخلاق الأديب وموسومة بالوصولية، والسلوك الملتوي  

يشكّل بيت ((أبو عز))ّ بؤرة حكائية مولّدة لأحداث العمل والتي حملها خطاب السرد على امتداد مئتي صفحة من القطع الوسط .

ـ أبو عز.. الصحفي الذي كُبّل قلمُه، ووصل الأمر إلى حد أن زُج به في إحدى السجون، كضريبة يدفعها الذين يدللون على الفساد في نظام بلغ نخر الفساد فيه مبلغه، وفي إشارة واضحة على واقع ثقافيّ وسياسيّ آسن، فإمّا السباحةُ فيه أو الخروج منه عن طريق المحاصرة والإقصاء والتحييد .

ـ ((أم عز))..المدرّسة التي لا يختلف واقعها وتفاصيل يومها عن باقي من انخرطن في هذا السلك لم تبدُ شخصية مؤثرة، بل جاءت ربّة منزل هامشية الأثر، أكثر من كونها علامة تربوية فارقة، مكتفيةً بفتح صدرها لتلقي ارتدادات الحيف الذي يحيق بمن  يدور في فلكها .

((عز)) الابن البكر، المحامي المتماهي مع  ((الثورة))، على خلفية يسارية تؤمن بالتغيير، وتحمّل النظام مسؤولية كلّ ما يحدث، وتتهمه بأنّ الدمويّة كانت ردّة فعل على سلوكه السياسي، وتعاطيه مع مطالب الثائرين، حتى عندما أصيب بفعل قذائف الهاون الآتية من مناطق سيطرة المسلحين، حمّل النظام مسؤولية الأمر . 

ـ أحمد ..المهندس الذي حُرم من مقعده كمعيد في الكلية بسبب التزوير ،وتعيين ابن أحد المسؤولين مكانه، من خلال لعبة قذرة زوّرت فيها نتائج الامتحانات .ومن ثم قام بالالتحاق لتأدية  الخدمة الإلزامية .ولم يمض بعد سنة وبضعة أشهر على اشتعال الحرب .

أحمد شخصية مسالمة، لم تحرّك ساكناً تجاه الضيم الذي لحق بها، وقد التحق بإحدى وحدات الجيش تلبية لصوت أليسار الأخت في داخله, الناقمة على كل من انخرط في ((الثورة)) وتمنيها الثأر لنفسها منهم. وصوت جمان المتعجّلة أن يجتمعا هي وأحمد تحت سقف بيت واحد، في ذهنية حرق واستغلال الوقت، ولم ينمّ عن الشخصية أي دوافع ذاتية وطنية عميقة، وإن ظهرت كانت تعاطفاً في حده الأدنى، وأسفاً على حال البلد، ومنافحة عن ذاكرة لم يعد في طريقها إلا القليل الذي تستند إليه من كثرة الخراب الذي يحيط بمرجعها .

ـ أليسار الصيدلانية التي نُهبت صيدليتها بمؤامرة بين خطيبها الفار إلى السويد ,وبين المسلحين  لتكتشف الأمر منذ لحظة الحدث الأولى، وتبقيه سراً قابعاً في قلبها .و يبقى غيابه مثار استغراب عند المحيطين بها .وتكشف عنه متأخرة , وتفوز بالدكتور هشام مغلقة الباب خلفها على خيبة كانت تبسط لظاها على كامل روحها .

شخصيات أخرى

ـ الدكتور هشام ... متخصص في النقد الأدبي، مستقيل من وزارة الثقافة _بعد أن التحق بها من مديرية التربية -على خلفية محاصرته واستشراء الفساد في الأولى، وترويجها لأدب رخيص عن طريق لجان قراءات لا تملك الكفاءة والأهلية، وتصدر أحكامها عبر معايير نفعية وحسابات شخصية .يلتقي أحمد في إحدى قطعات الجيش عند التحاقه بالخدمة الاحتياطية، ويتدخل من موقعه كناقد في هيكلة العمل، عبر حوارات مستدامة بينه وبين أحمد، الذي يبدو أنه اطمأن لوضع عمله تحت عين ناقد حصيف.

ـ جمان حبيبة الدكتور هشام التي قضت أثناء قصف بالقذائف على أحد أحياء حلب، تم الإشارة إليها كباحثة ومعمارية تدرس الفن المعماري الحلبي, التقت هشام في بلنسية الاسبانية ونشأت بينهما قصة حب عارمة, أطفأتها قذيفة صمّاء

ـ جمان الثانية ..حبيبة المهندس أحمد التي واكبت أحداثَ العمل .وكانت مصدراً من مصادر الأخبار العاجلة ,لم تؤثث الشخصية إلا من خلال أخبارها العاجلة ,والوصف المباشر لها من قبل أحمد .

قائد الوحدة ...الضابط الذي يتمثل خلقَ الجيش الوطني وقيمه ,وأبويته ومسؤوليته تجاه مرؤوسيه في سلامتهم وهمومهم الشخصية .

مالك ..الضابط الذي يمثل الوجه الآخر المرتبط بالفساد والسرقة وابتزاز من هم في إمرته

هذه الشخصيات جميعها تتحرك، وتساندها شخصيات ثانوية أخرى ضمن أحداث العمل ،وكلّ واحدة ترصد الحرب من زاويتها ,ولكلّ منها حملها التي رمت به الجائحة فوق كاهلها .وهي في نهاية المطاف أحمال الوطن الثقال .وحمل حلب الأكبر. فتدور فكرة العمل كاملة حول الفساد. و يوميات الحرب وأثارها ,ترصدها الأخبار العاجلة الآتية عن طريق رسائل الكترونية تبعثها جمان  ,أو مطالعات لبعض المواقع والصحف الالكترونية

مسألة الفساد مسألة مستعصية ,هذا ما أراد أن ينقله لنا الصالح على لسان أحمد ,من خلال ملامسته , لفساد العملية التعليمية , والمؤسسات الثقافية , والمؤسسة العسكرية .يقابل ذلك أشخاص مازالوا يوقدون للأمل .كالدكتور هشام ,وقائد الوحدة التي التحق بها أحمد

وثيمةٌ أساس يدور كل شيء في فلكها هي حلب الأم التي تمثل قاعدة انتماء اجتمعت غالبية شخصيات النص عبر سياق سلوكها الروائي على محبتها.

في البناء ..

ـ العمل لم يُحدث في المطروح الذي حمله خطابه السردي، مفارقات خلّاقة ,وخاصة في مفصل الجرأة، وهذا بظني مردّه إلى حالة الفساد، المكشوفة والمفضوحة فلم يشكّل الحديث عنها ، كشفاً  وسبقاً يسترعي الذهول أو التصفيق .  لأن عقل التلقي المسكون بالتقصي، لن تفوته الارتكابات التي تمارس، ناهيك  أن الفساد أصبح سلوكاً يمارس على مرأى ومسمع من الجميع .إضافة أنّ الفساد في خبر عاجل ,سار في نفس سياق المطروح في ((حبس الدم)) فبان الأمر كأنه رقعٌ على جلد دفٍّ متشقق لم يسمع صداه .

ـ في فصول الرواية التي أتت تحت عنوان .

خارج المتن / داخل الحكاية..

والتي أراد منها الدكتور نضال الصالح ، أن تعمل عمل الحافز السردي , لدفع الأحداث إلى الأمام وهي ميزة تتكفّل بدحرجة الحدث الروائي. أظنها   لم تنجح , وكانت الإشارة إليها بدواعي الكشف المتأخر أوقعتها في فخ الفجوات السردية , وإن تكفّل خطاب السرد لاحقاً في ترميمها ,إلا أنها أعاقت التدفق السردي. هذا غير الفوالق السردية التي تحتاج إلى تجسير ،  ,ومثال ذلك عند انتقال الروي من الدكتور هشام عن جمان حبيبته.. إلى أحمد الذي بدأ بوصف جمان أخرى تكشّف لاحقاً إنها حبيبة المهندس أحمد طالبة السنة الأولى في جامعة حلب  ...دون مقدمات أو إشارة إلى انتهاء  الدكتور هشام  من قصته مع جمان المغدورة .

..هذا غير أن النهج التقريري للغة والمباشرة , وتمكين السرد الوصفي من جهة أخرى والذي أوقف عجلة السرد بغير مكان وسم خطاب السرد بالرتابه وغياب الترقب والشد. وفي هذه غلبة للناقد على الروائي في خط الدكتور نضال الصالح الأدبي.

ومن جهة أخرى لم تستطع فانتازيا استحضار المتنبي ,من انتشال العمل حقيقة من التقريرية والمباشرة وإن حاولت ذلك, إلا أن جناح الخيال ظلّ حروناً ولم يستطع أن ينهض بمحموله، وبدا الأمر كأنه حلم طفولي تستحضره ذاكرة السرد ، بقصد أن ينعطف خطابها  بليونة عندما  يتأخر زمن السرد عن اللحاق في الحدث 

ولقد حاول الدكتور نضال الصالح ، أن يرفع ذروات سردية ,شكّلت الشخصيات بنيتها الأساسية لنطل منها على مدينة حلب ,ومن خلالها على الحدث السوري ,لكن هذه الذرا فشلت في دحرجة حدث مركّز تقوده الشخصيات عبر خطاب سرديّ شائق، وعالي الترقب ,فاتحاً قنوات تحبيك تدفعك للجري في  سواقي زمن السرد إلى لحظة تأزيم، أو عقدة تنفرج بعدها الحكاية على فضاء قفل يطلق ما احتُبس من أنفاس القارئ, وبظني أن ذلك مردّه لقصور في التأثيث النفسي / السيكولوجي/ لشخصيات العمل .

(( تقول فرجيينا وولف .في مستهل إحدى محاضراتها.. دعونا نتحدث قليلاّ عما لا نعرفه عن الشّخصيّة ))

نهايةً.. هذا العمل من ضمن مئات الأعمال التي صدرت, هاجسة بالهم السوري ,ولها شرف الإشارة والتطلع والإضاءة على آلامنا ,عبر فتيل قدّ من عذاباتنا .

كلّ التّحيّة والتقدير للدكتور نضال الصالح، ولحرفه الذي لا يركن إلى السكون ولا يهادنه.

مجلة الملتقى

الإصدار السادس عشر

الإعجابات: 3

التعليقات: 2

المشاهدات: 681

نزار الشوفي

قراءة وتحليل وتفنيد جميل وممتع لمفاصل الرواية .. ضمن رؤية نقدية جريئة وصادقة وراقية.. كل المودة والتقدير لقلمكم استاذ زياد

زياد القنطار

الشاعر الجميل والقاص البارع، كم يسعدني أن تفرد ذائقتك الوارفة ظلها على هذه القراءة، محبتي وتقديري نزار الشوفي الصديق الرائع