logo

قصة قصيرة

مي عطاف

بيحبني ما بيحبني

مرت عشر سنوات على صداقتنا، يقصُّ كلّ منا للآخر التفاصيل التي عادة توضع في طيّ الذّاكرة ، تلك التي يقولها الواحد لنفسه فقط .

كنّا صديقين أقرأهُ  بكلّ هدوء وكذلك يفعل هو حين نروي قصصنا ؛كلّ عن عشقه والحبّ الذي يجتاحه.

يحدثني عن صبية يحبّها ويطلب عوني بمشاعره كأن يسألني : هل كانت غيرتي عليها بمحلها ؟

وكنتُ كما كان الصدوقين اللذين أسقطا المجاملة واتخذا البوح الدقيق في رأيٍّ أو تصرف أو فكرة .

منذ سنتين ولا أعلم إن كانت صدفة غامزة بعينها لنا ، أم هي صدفة وكفى أن خلا كلينا من قصة حب ،صار وحيداً وكذلك أنا .

نجلس ونعيد ذكرياتهم ..هو يخبرني كم أحبَّها وأخبره  فأفصَّلُ له كيف عشقت الرجل.

نجلس وصارت ذكرياتهم تعبر كسحابة صيف ، جميلة في سماءها لكنها لا تمطر تعلقا ولا شجن.

نجلس ونتحدث في كتاب قرأناه ،أو ما حدث في العمل وكيف تناله الغربة من أهله وكيف أفتقد لأبي الذي مات.

كنا نلتقي بالإسبوع مرتين في المقهى غالباً أو نجلس على رمال الشطّ يُحضر ترمس القهوة وأحضر بساطا لكلينا، كانت اللقاءات  ضرورية للحدّ الذي لم يغب أحدنا عن موعده، لا بل صارت حاجة حين شعرنا أنّه وقت نقضيه أشبه بعلاج وشحن طاقة فقدناها من حجم ما يضطره العقل لتلقي موروثا وجهلا ورياءً وكان يختصره قائلا ( ليش علينا تحمل كل هذا الخراء ؟).

وأجيبه: يخرب بيتك شو ألفاظك راقية !

لا أعرف كيف بدأ الأمر عندي ولكن لأجعل منها قصة أرويها ذات يوم ، قلت في نفسي ...بدأ الأمر حين كنا نجلس قرب البحر متربعين  على البساط وبتلك اللحظة لم نكن قبال البحر بل كنا نجلس متقابلين أقرأ له نصا للشاعرة ميجي روير

منذ سنوات ، قرأ رجل مشرد خطوط كفي 

تنبأ أن يوماً ما سوف يلمسني شخص باليقين نفسه

الذي يطير به الإوز جنوباً في الخريف

ما عجز عن التنبؤ به هو أنك سوف تلمسني

إلى أن ينتهي ريشي في كومة على الأرض " *1

رفعت نظري إليه كي أضيف تعليقاً وكان يحب عادتي تلك ، شاهدت وجهه بمعالم لم أعهدها ، كان له نظرة من جناحين ؛ نظرة نسر باحت من عينيه واقتربت للحدّ الذي رفرف جناحاه على خدي وغاص قوياً سريعاً ..غاص بي .

لحظتها استراح التعليق الذي أردتُ قوله في حنجرتي وأزاح مكاناً  لكلام آخر عليه أن يُقال ، لم أقل شيئا لكن في داخلي ومع غوصه ذابت حلاوة لم أذقها من قبل ...كما ذاب ذاك اليوم سريعاً وشربه البحر .عادة نمشي سوياً ، لكنه قال لي سأجلس لوحدي قليلاً لو أردتِ الذهاب سأوصلك للموقف وأعود ، أجبت وأنا أمتلىء بسرور غريب وبمزحي المعتاد : لا والله ما بتقوم خليك قاعد ، ما بينا يا زلمة .

ردّ بعيون جادة وجملة مازحة : روحي روحي يلعن سماكي .

كان يوماً خريفياً ، تركتُ صديقي لبحره ، ولم أعد للبيت بل جلست في حديقة عامة إذ صار  البيت ضيقا جدا على النسر الذي بات بداخلي .

جلست على مقعد وقربي شجرة بوهينا*2 تساقط بعض أوراقها قربي ، قلت سأمارس مع خريف شجرة البوهينا لعبة (بيحبني / ما بيحبني ) ورحت اترقبها .

(بيحبني)  بدأتُ بالورقة الأولى التي سقطت ، علّها تلحق بالنسر الكائن داخلي فتخبرني عن سابق أمنية أنه يحبني .

( ما بيحبني ).سقطت ورقة ثانية ، قلتُ للريح خذيها بعيداً  فلن أطوي النهر الذي يجري بي .

كنت محتاجة لشيء سريع يخبرني بحبه وعوضاً عن الأبراج وأوراق الشدة *3 التي أمارسها حين أتوه عن نفسي وأريد القفز لنهاية أرجوها  ، اتخذت من أوراق الشجرة دليلاً متصلاً حياً ربما يرشد الحبّ لكلينا معاً .

مرت أسابيع وفي كل مرة نلتقي كنت أرى وجهه نصف كأسٍ كاد يُملأ ، لكنه لم يفِضْ بكلامه بعد ؛فكنت ألجأ للشجرة وأعدّ معها من حيث توقفت قبلاً (ما بيحبني/ بيحبني ).. وسقطت الأوراق وأنا أعيد التوليفة حتى بقيت ورقة واحدة (بيحبني ) لم تسقط وبقيت عالقة في غصنها .

مرّ شهران  وأنا أزاول لعبتي والورقة عالقة ، وأنا أنتظر سقوطها لأصرخ ببهجة (بيحبني) .. أيّ جنون أقوم به في فصل يعجُّ برياحه والأمطار .. لكنه بات أشبه بقراءة مسبقة واليقين عندها ...أو ربما تحدّ لورقة تتمسك بغصنها.

بعد كلّ لقاء معه في المقهى أغافله وأمضي للحديقة لساعة وأحياناً  يغلبني التمني والتحدي فأنسى الوقت وقد أتحايل فأهزّ الشجرة قليلاً أو أرمي حصى باتجاهها ..وكأنها تعاندني .

مرة صليت للرّبّ أن يرسل ريحاً عاتية تعصف بالورقة أرضاً ، لبّى الرّبّ ندائي فعاندت الورقة الريح ولم تسقط .

التقيته اليوم وكان وجهه خصباً كتراب ينتظر بذرة ، كم تمنيت أن أكون البذرة لحظتها فأعربش عليه كزهرة متسلقة .

تركنا المقهى وغادر كل منّا وكما العادة جلست تحت الشجرة ، سمعت حفيفاً ناعماً رطباً ...كانت الورقة الصامدة  .

ابتسمتْ لا بل ضحكتْ وقالت : أَعجبُ لأمرك ، ألمْ تفهمي بعد ؟...الورقة التي سقطت قبلي (ما بيحبني ) وبقيتُ أنا (بيحبني ) .مراهنتك على سقوط ( بيحبني) غباء ..اسمحي لي فالحب لا يبنى على السقوط بل على التمسك والاستمرار والإخضرار ..اقتربي قليلاً ..انظري لعودي الأخضر ولن أسقط بتنا على أبواب الربيع ...أنا ورقة (بيحبني ) إي بيحبك .. بيحبك يا هبلة.

هل كان ذلك حلماً أم رؤيا لا أدري ؟!

ربما أحضرَهُ نداء الورقة ، فوجدته بجانبي ينظر مثلي للورقة ثم قال مازحاً : تأتين كل يوم إلى هنا لتراقبي ورقة لن تسقط ..أعدك أنها لن تسقط ....إي بحبك ..بحبك يا مجنونة .

......................      ...................    ....................

1 _ دليل السكران للتخلص من حبيب سابق / ميجي روير ترجمة ضي رحمي / Dai Rahmy

2 _ شجرة خف الجمل .

3 _ ورق اللعب .

مجلة الملتقى

الإصدار السادس عشر

الإعجابات: 1

التعليقات: 0

المشاهدات: 145