logo

خاطرة

زياد خداش

أعمى المخيم أنا

- أتتذكرين؟
-نعم أتذكر،
في الصباحات المبكرة لأزقة المخيم، يتبنى كل منا أحد أخدودي ماء الزقاق العادم، ويتفاخر بسرعته ونقائه، وحين يمر أبي أو ابوك في طريقهما للعمل في( نتانيا،) نتباهى بأي حذاء لهما يلمع أكثر، وأيهما أطول قامة ، وأية زوادة طعام في يديهما أسمن، ثم فجأة نتقاتل بالايدي على بقع الشمس.
(هاي النتفة من الشمس الي، لا الي، لا انا مسكتها أول،)
-اتتذكرين؟
-نعم أتذكر. 
نتراشق بالصراخ والأدعية والشتائم الناعمة، من النوع البسيط(:يا رب تختك يصير حية)، خزانتكم لونها مش حلو). لأسباب غريبة منها مثلا قول أحدنا للآخر أن شباك بيته أجمل شباك في المخيم لأنه مطل على بيت المس خديجة معلمة التاريخ التي نحبها جميعا،وفجأة نرى أنفسنا مشتبكين بأيادينا الناعمة فتطل امي أو امك من الشباك (:بنت عمك وله، ابن عمك وله). 
-أتتذكرين ؟
-نعم أتذكر.
نركض باتجاه وجباتنا الساخنة في مطعم الوكالة ونغيظ بعضنا البعض بحصول أحدنا على حبات كبة أكبر حجما، ونعود إلى الزقاق نفسه، نتقاتل هذه المرة على بقع الظلال.
(هاي البقعة من الفي إلي، لا إلي، لا إلي، انا وصلت بالاول).

-أتتذكرين؟
نعم أتذكر.

لا كراسي في الزقاق، حين كنا نتعب كان الزقاق كرسينا الطويل يكفي أن نسند أقدامنا على الجدار المقابل، ويسند الجدار الآخر ظهره على ظهرينا. 
كنا للجدار السند وكان هو لنا السند وحين كان اليهود يهجمون على ليلنا ويمنعون التجوال، كنا نطل على الزقاق كمن يطل على هدية ممنوعة. ونبدأ من خلال نافذتينا المتقابلتين نوزع حصصنا القادمة من شمس الزقاق المعتقل.

أتتذكرين ؟
-نعم أتذكر.
كنا نجلس على الارض ونطابق راحات أقدامنا مع بعضها البعض؛وكنت أنت تقولين باستياء: ليش اجري أصغر؟.
وكنت أضحك عليك زاعما أن الرسم على أصابع القدمين يطيل الاقدام،فكنت تسرقين لي الألوان والاقلام من حقيبة أختك وتطلبين مني أن أطيل قدميك لتصلا مستوى قدمي. ولم أكن أعرف انك كنت تحصلين بمكر على تلك الدغدغة الرهيبة، وفكرت حينها ربما اكون أنا المضحوك عليه.
-ماذا تفعلين في حياتك الآن؟
- أجلس مع أطفالي على البحر في بلاد بعيدة، بملابس تغطي كل شيء، وحين يبرز أصبع بالصدفة دون أن أنتبه من أصابع قدمي من تحت الجلباب، يثور زوجي، يصرخ ويرميني بالرمل ويعيدني فورا مع أطفالي إلى البيت.

ماذا تفعل أنت في الحياة؟

ما زلت أطارد بقع الظلال والشمس، اختلطت بقعي ولم أعد قادرا على فهم متى أفتح عيني، وأين أغمضهما.
أعمى المخيم أنا.

مجلة الملتقى

الإصدار العشرون

الإعجابات: 2

التعليقات: 1

المشاهدات: 38

ردينة نصر

بوح رقيق وذكريات وادعة ...