logo

بحث

د.فندي الدعبل

الإيقاع في القصيدة العربية الموزونة....

نستطيع القول إن موسيقا الشعر العربي تقوم على ملامح متعددة كالوزن و القافية و الإيقاع، و يشكل الإيقاع أبرز هذه الملامح و أكثرها جاذبية للمتلقي باتجاه العملية الشعرية.

تعريف الإيقاع
الإيقاع لغة الميقعة أي المطرقة، و هو تآلف و توافق المفردات على إصدار نغم معين، أي توقيع اللحن و الغناء، و في الشعر هو الكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة و متساوية.

و قد لا نغالي إذا قلنا إن الحياة كلها مبنية على إيقاعات دورية منتظمة، و المقصود بالانتظام الدوري هو التواتر المتتابع بين حالتي الصمت و الصوت، أو الحركة و السكون، أو القوة و الضعف، أو بين أي مفهومين متضادين بصفة معينة على وجه العموم.
لذلك نستطيع القول إن  الإيقاع سمة مشتركة بين جميع الفنون، و يبدو واضحًا في الموسيقا و الشعر و النثر الفني و الرقص، أي أنه يشكل دعامة صلبة يقوم عليها كل الأعمال الفنية، هذا و نتحصل على الإيقاع  باتباع طريقة من ثلاث
1- التكرار
2-العاقب
3-الترابط.

و طالما كان الإيقاع لغة الانفعال و التواتر، لذلك ارتكزت عليه العملية الشعرية لإظهار موسيقيتها، لأن الإيقاع بالأساس هو وحدة النغمة المكررة، أي توالي الحركات و السكنات على نحو منتظم في التفعيلة الواحدة، فالإيقاع هنا يأتي لدعم عناصر القصيدة التي يفترض بها أن تكون منسجمة و متوافقة فيما بينها، لأنه أي الإيقاع هو بالأساس بنية رمزية تلتقط مفاتيحها من شبكة الدلالات المتواجدة في النص، هذه الشبكة القائمة على تفاعل و ارتباط الدوال بروابط محددة، و يأتي الإيقاع لاستثمار هذه العلاقات التي غالبًا ما تكون متعارضة، و كلما كان الاستثمار على درجة رفيعة من المعرفة و الفن و الوعي كلما كان الإيقاع قادرًا على التعبير والتصوير  بشكل أمثل و أشمل، و عندما تتحقق هذه العلاقات المتينة نستطيع عندها أن نصف الإيقاع بأنه نظام عام في القصيدة يساعد المتلقي على إدراك التشظي النفسي الداخلي و التوتر العاطفي عند الشاعر.
و كما قلنا سابقًا إن التكرار هو أكثر الملامح الإيقاعية وضوحًا لأنه يتصل بتجربة الأذن المدربة جيدًا على التقاطه، و هذا لا يعني إهمال الملامح الإيقاعية الأخرى حتى و إن بدت قليلة التأثير، و هنا نجد أن البنى الإيقاعية المختلفة في القصيدة تتفاعل مع بعضها، ثم تتوافق في سياق كلي عام يستطيع المتلقي أن يدركه أو يشعر به، فتظهر الثنائيات المتقابلة بشكل واضح معزز للدور الإيقاعي.
أي أن نظرية الإيقاع إن صح التعبير يجب أن تشمل البعد الفكري و اللساني و النفسي لفعلي القراءة و الكتابة معًا.
و إذا كان النقد الحديث مقصرًا في دراسة هذا الملمح الموسيقي المهم، فإن الشعراء الحديثين أولوا اهتمامًا بالغًا لهذه الظاهرة التي لم تكن أبدًا وليدة الحداثة الشعرية أو ناتجة عنه كالومض و الانزياح و سفر النصوص و تناصاتها المختلفة و غيرها من مظاهر الحداثة، لأن الظاهرة الإيقاعية لها علاقة بالمستوى الفطري للإنسان الذي يميل إلى الاستمتاع و التلذذ بالأشياء ذات القيم و المظاهر الجمالية .
لذلك نجد الشعراء المحدثين كثيري الوعي لهذه الظاهرة، فوعوا جيدًا مكونات القصيدة ودور كل منها و لاسيما الموسيقا الشعرية بشكل عام و الإيقاع بشكل خاص، فقاموا بهندسة كلماتهم و تنسيقها رائعًا مستفدين من دلالة الكلمات و إيحائها، وأدركوا أن هندسة الكلمات هي التي تخلق القصائد و ليس أغراض الشعر كما كان سابقا، فالقصيدة أصبحت بينة رمزية تقوم على تنظيم لفظي مدروس بدقة و معرفة.

إن هندسة كلمات القصيدة كما مر سابقا، يتطلب معرفة عالية المستوى للقيم الصوتية لتلك المفرادات، و دور الصوت في كل منها و تأثيره، و ضرورة استثمار هذا الجانب جيدا، و يكون الاستثمار قد بلغ مبلغه النهائي عند حدوث التوافق بين العنصر الصوتي و دلالة المفرة، 
بمعنى آخر لابد من الموازنة الحرة بين إيقاع الدلالة و دلالة الإيقاع، اي لابد من التوافق بين صوت المعنى و معنى الصوت ، هذا الالتقاء بين  الصوت و المعنى هو القادر على التخليق الشعري الآسر، فيظهر النظام الإيقاعي جليًا و واضحًا من خلال تفاعل المؤثرات الصوتية (نبرة الحرف و جرسه/ آلية نطقه ) مع المؤثرات الدلالية للمفردة ( حسية/ فكرية/ نفسية...)، هذا التفاعل بين هذه المؤثرات عن طريق التناغم تارةً و التنافر تارةً أخرى، أو عن طريق التوازي أو التداخل، قادر على تشكيل موجة صوتية و معنوية و شكلية تمنح العمل الشعري فضاءه الموسيقي العام.

مجلة الملتقى

الإصدار العشرون

الإعجابات: 2

التعليقات: 0

المشاهدات: 135